Translate

الاثنين، 21 مارس، 2016

تحليل نص الفرد والمجتمع

نموذج مبسط لتحليل نص فلسفي
الفرد والمجتمع وجهان لعملة واحدة
نص نوربرت الياس


يتأطر هذا النص المقتـرح للتحليل والمناقشة ضمن مجزوءة ما الإنسان، وتحديدا مفهوم المجتمع، إذ يتطرق إلى العلاقة القائمة بين الفرد والمجتمع، وهذا الأخير –المجتمع- عبارة عن مجموعة من الأفراد والجماعات تعيش في موقع جغرافي واحد، وتربط بينها علاقات اجتماعية وثقافية ودينية. ويعرفه أندري لالاند في معجمه الفلسفي، بأنه عبارة عن مجموعة من الأفراد الذين توجد بينهم علاقات منظمة ومصالح متبادلة. إلا أن الإشكال الذي يطرح ذاته هنا، والذي سيحاول النص الإجابة عنه يتمثل في: هل يمكن تصور مجتمع بدون الأفراد الذين يكونونه..؟ والذي يمكن أن تتفرع منه مجموعة من الأسئلة الجزئية من قبيل ما طبيعة العلاقة القائمة بين الفرد والمجتمع..؟ هل يشكلان جوهرين متمايزين أم هما وجهين لعملة واحدة..؟

يدافع صاحب النص عن أطروحة مفادها أنه لا يمكن الفصل بين الفرد والمجتمع، فلا وجود لمجتمع بدون أفراد، والفرد لا يساوي شيئا بدون المجتمع، فهما وجهان لبنية واحدة، وقد دحض في ذلك الموقف الذي يحاول خلق تمايز بينهما، واستبدله بفكرة مضمونها، أن العلاقة القائمة بين الفرد والمجتمع هي علاقة تفاعل وتأثير متبادل، حيث يمكن القول أنهما وجهان لعملة واحدة. فالمجتمع يمارس مفعوله في تكوين شخصية الفرد الذي من شأنه أن يكون فاعلا اجتماعيا وليس مجرد مفعول به في المجتمع.

وتدعيما لهذه الأطروحة ركز صاحب النص على مفهومين أساسيين، أولهما الفرد، باعتباره كائنا مستقلا بذاته، وبوعيه وحريته وعواطفه، وله مصالح وحقوق قد تعارض مصالح وحقوق الآخرين في المجتمع. وثانيهما مفهوم المجتمع باعتباره مجموعة من الناس، لهم قيم وعادات وتقاليد وسلوكيات خاصة بهم، وخبرات واهتمامات وطموحات مشتركة، ومشكلات عامة يعانون منها، ويشعرون بأنهم ينتمون إلى بعضهِم البعض، ويتفاعلون فيما بينهُم بشكلٍ مُستمِر. 

وأيضا لإبراز قوة أطروحته دعم نصه بتقنيات حجاجية متعددة: منها دحضه للموقف الذي يتعامل مع الفرد والمجتمع كجوهرين متمايزين مستعملا في ذلك أيضا، تقنية الحوار من أجل إعلاء وجهة نظره، وتفنيد الآراء الأخرى. بالإضافة إلى حجة المماثلة، المتجلية في تشبيه علاقة الفرد بالمجتمع بالعملة النقدية الواحدة، لبيان العلاقة التفاعلية المتبادلة. علاوة على عنصر الاستقراء الذي يصل من خلاله إلى أن المجتمع متضمن في كل ضمير متكلم فردي أو جماعي.

تبرز قيمة أطروحة صاحب النص، في رفضه وضع تعارض بين الفرد والمجتمع، بحيث ان وجود احدها يقتضي وجود الاخر، وهكذا اعتبر أن المجتمع ليس هو حاصل وحدات فردية، وليس جمعا مستقلا من الأفعال الفردية، ولكنه علاقة ترابط بين الأفراد بحيث "لا يمكن لأي ضمير أن يوجد من دون حضور الضمائر الأخرى". هذا ما يثبت علاقة التأثير والتأثر القائمة بينه وبين المجتمع.
لكن إذا كان المجتمع يفعل في الفرد ويؤثر فيه، فعلى أي نحو يتم ذلك ووفق أي آلية...؟

للاجابة عن هذا السؤال وتدعيما لأطروحة صاحب النص يمكننا استحضار موقف انتوني غيدنز الذي يعتبر ان التنشئة الاجتماعية هي عملية تكوينية تدريجية، يتعلم من خلالها الفرد جملة من أنماط التفكير والسلوك والإحساس المكونة للشخصية الأساسية للمجتمع، إنها القناة الأساسية التي من خلالها تنقل الثقافة من جيل لأخر، وهذا لا يعني ان التنشئة الاجتماعية برمجة ثقافية يكون فيها الفرد مجرد موضوع سلبي يكتفي بتلقي المؤثرات الاجتماعية، بل انه ذو نشاط وفعالية ووعي بالذات، الأمر الذي قد يمكنه من تحويل وتطوير مكتسباته والتأثير بها على محيطه المجتمعي.


وخلاصة القول يمكن القول ان الإنسان لا يكون انسانا الا عبر الجماعة التي يحقق فيها انسانيته، فكذلك الجماعة ليست سوى الغاية الطبيعة للانسان كمواطن له القدرة على المشاركة في تدبير الشأن العام، فلا يمكن للمجتمع ان يوجد من افراده، هذا المجتمع الذي يساهم بواسطة التنشئة الاجتماعية في تكوين الفرد وتلقينه القيم والمعايير التي تشكل أساس هويته.

السبت، 19 مارس، 2016

مفهومي الحق والعدالة

مفهومي الحق والعدالة



من الدلالات إلى الإشكاليات
يتحدد الحق باعتباره صفه للإنسان تمكنه من تحقيق ما يريد والامتناع عما لا يريد وفق القانون، مما يحيل إلى مفهوم آخر وهو الواجب كعنصر ملازم للحق، يضفي عليه طابعا أخلاقيا ممثلا في العدالة باعتبارها غايات سامية، يتوخى منها تحقيق المطالب التي يشترطها الوضع البشري من حاجيات ضرورات.
لقد تعددت دلالات مفهوم الحق والعدالة، بتعدد الأنساق المعرفية والسياقات التاريخية، ويبقى أهمها ما عبرات عنه فلسفة الأنوار في القرن 18 من انشغالات فلسفية أكسيولوجية (قيمية) بالحقوق والحريات اللازمة لتحقيق إنسانية الإنسان وصيانة كرامته.

مفهوم الحق:
تأتي صعوبة تعريف الحق دلاليا من كونه يتعالق مع مجالات متعددة في مرجعيتها وحقل اشتغالها، الأمر الذي ترتب عنه اختلاف مدلول الحق وتطوره. في التمثل الاجتماعي يتم تداول هذا اللفظ "الحق" بمعنى الحقيقة والصواب "فلان على حق"، وقد يعني النصيب "هذا حقي"، ويهن أيضا الإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه بمعنى نفي الظلم، وهو أيضا اسم من أسماء الله الحسنى "الحق" ويعني العدل المطلق.
في لسان العرب يتضايف مفهوم الحق مع الثابت والعدل والاستقامة، يقول ابن منظور: "الحق نقيض الباطل، وجمعه حقوق وحق الأمر يحق ويحق حقا وحقوقا: صار حقا وثبت، وقال الأزهري معناه وجب وجوبا.
ان كلمة "DROIT" الفرنسية مشتقة من الأصل اليوناني "DIRECTUS" وتعني حرفيا:"qui est en ligne droite" أي ما هو مستقيم بالمعنى الهندسي (لا بالمعنى الأخلاقي كما في لسان العرب).
كما يدل معنى الحق في معجم لاروس على معنى منطقي باعتبار الحق: "الاستدلال السليم الصحيح".
أما في المعجم الفلسفي لالاند فيدل على ممارسة عملية: "الحق ما لا يحيد عن قاعدة أخلاقية".

العدالة:
يدل لفظ العدالة في التداول العامي على احترام حقوق الغير والدفاع عنها، كما يدل على الخضوع والامتثال للقوانين.
معنى العدالة في اللغة العربية الاستقامة، وان العدل بصيغة أخرى هو الشخص الذي لم تظهر منه ريبة، وهو الذي يرضى الناس عنه، ويقبلون شهادته ويقتنعون بها.
وفي اللغة الفرنسية اشتقت كلمة justice من الجذر اللاتيني jus والتي تعني الحق، أو من لفظة judex أي قول الحق، والعادل le juste هو قائل الحق.
اما فلسفيا فيحيل مفهوم العدالة عند أرسطو إلى دلالتين: عامة وخاصة،
فهو يشير في دلالته العامة إلى علاقة الفرد بالمؤسسات الاجتماعية، وهنا يكون مرادفا للفضيلة بالمعنى الدال على الامتثال للقوانين، فالإنسان الفاضل هو الذي يعمل وفقا للقانون، شريطة ان يكون هذا القانون مبنيا على أساس مبدأ الفضيلة. ومع ذلك فانه لابد من الإشارة إلى وجود فرق طفيف بين مفهوم العدالة الكونية ومفهوم الفضيلة من حيث الأولى تقتصر على العلاقات بين الأفراد والمؤسسات، بينما تشمل الثانية علاقة الأفراد فيما بينهم.
أما العدالة بمعناها الخاص فتدل على ما ينبغي ان يكون عليه سلوك الفرد في تعامله مع غيره من أفراد المجتمع، وهنا تقترن العدالة بالفضيلة باعتبارها جزءا لا يتجزأ منها، وتدل على السلوك الفاضل في جميع مجالات النشاط الإنساني.

العدالة عند لالاند صفة لما عادل، ويستعمل هذا اللفظ في سياق خاص عند الحديث عن الإنصاف أو الشرعية.

Your Social Investment Network