Translate

السبت، 27 فبراير، 2016

المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية

تقديم:
يمكن تعريف السلطة كمجموع الممارسات والإجراءات التي تجري على عدة مسارات ومناح في المجتمع، وبالمشاركة الفعلية أو الرمزية لعدة مؤسسات وأطراف قصد الهيمنة والإخضاع، وذلك بتوظيف تدابير وتقنيات وأدوات مؤسساتية وإدارية وإيديولوجية. نجد في العجم الفلسفي لجميل صليبا ما يلي: "السلطة في اللغة: القدرة والقوة على الشيء، والسلطان الذي يكون للإنسان على غيره... وجمع السلطة سلطات، وهي الأجهزة الاجتماعية التي تمارس السلطة، كالسلطات السياسية، والسلطات التربوية، والسلطات القضائية وغيرها..."


إشكال المحور:
ما هي طبيعة السلطة السياسية...؟ هل هذه السلطة تقوم على الأخلاق والعدل، أم على العنف والقمع...؟

موقف مونتسكيو: السلطة السياسية سلطة ديمقراطية
يدعو من خلال كتابه "روح القوانين"، إلى ضرورة التمييز بين ثلاث سلط أساسية للدولة وهي: "السلطة التشريعية - السلطة التنفيذية - السلطة القضائية".
فالأولى متمثلة في (البرلمان) وتختص بسن القوانين والمراسيم في جميع مرافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحقوقية...، أما الثانية فتتجسد في الحكومة، المكلفة بتنفيذ القوانين، والسهر على سلامة الدولة داخليا وخارجا. بينما السلطة القضائية، فيتجلى دورها في الحرص على تطبيق القانون، ومعاقبة مخالفيه، والفصل في المنازعات التي تقع بين الأفراد أو المؤسسات.
لهذا يؤكد على ضرورة الفصل بين هذه السلط، تجنبا لطغيان سلطة الدولة، وإهدار حقوق المواطنين وسلب حرياتهم. ولتحقيق الأمن والحرية والمساواة، وهذا الفصل بينهما لا يعني الانفصال التام والمطلق، بل هو في الحقيقة تعاون وتعاضد فيما بينها، حيث تكمل كل منهما الأخرى.

موقف لوي ألتوسير: السلطة السياسية سلطة قمعية
يميز بين نوعين من الأجهزة التي تَحكُم بها الدولة وتمارس سلطتها
الأجهزة القمعية: وهي مؤسسات قمعية عنيفة، تستخدم القمع والعنف بأشكاله المختلفة، كأدوات من أجل الهيمنة والسيطرة وفرض الأمن والاستقرار. وتتشكل من (الحكومة، الشرطة، المحاكم، السجون، الجيش)، وتتميز هذه الأجهزة باستقلاليتها وانتمائها للقطاع العمومي (الدولة).
الأجهزة الإيديولوجية: مجموعة من المؤسسات المتخصصة، والتي ينتمي أغلبها إلى القطاع الخاص (كالجهاز الديني، العائلي، المدرسي، القانوني، السياسي، النقابي، الإعلامي...)،
نخلص في النهاية إلا أن سلطة الدولة تتخذ مظاهر مختلفة، سلطة مباشرة وتتجلى في أجهزة الدولة، وسلطة غير مباشرة، تظهر من خلال المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية.

موقف ميشيل فوكو: السلطة ليست مجموعة من الأجهزة
ينتقد التصور الكلاسيكي للسلطة، أي النظر إليها باعتبارها مجموع الأجهزة والمؤسسات التي تمكن من إخضاع المواطنين داخل دولة معينة، سواء عن طريق العنف أو عن طريق القانون. ويبلور تصورا جديدا للسلطة مفاده، أنها: "علاقات القوى المتعددة التي تكون محايثة للمجال الذي تعمل فيه تلك القوى (...) كما أنها الحركة التي تحول تلك القوى وتزيد من حدتها وتقلب موازينها بفعل الصراعات والمواجهات التي لا تنقطع".

ومعنى هذا الكلام، رفضه ربط السلطة، بالفئة الحاكمة والهيئات العليا في أجهزة الدولة، وقصر السلطة على الدولة فقط. فيُلِح على اعتبار السلطة نوعا من المعرفة الإستراتيجية الموجًهة والموجَهة، إذ بمجرد ما تنبع معرفة ما (علمية أو غير علمية) لابد وأن تتمظهر في شكل سلطة معينة بالغة التعقيد، لدرجة يصعب تتبع أصول نشوئها. فهي غير قابلة للاختزال في يد جهاز أو طبقة أو فرد معين، بقدر ما هي منتشرة وحاضرة في كل زمان ومكان. 
خلاصة المحور
إن الحديث عن طبيعة السلطة السياسية هو حديث عن مفهوم الدولة وتطورها تاريخيا، ف"مونتسكيو" يرى أن الدولة تقوم على ثلاثة أنواع من السلط: -السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية- ويدعو إلى ضرورة الفصل بين هذه السلط لضمان حقوق الإنسان وحريته. بينما يحدد "ألتوسير" مفهوم الدولة، باعتبارها مجموعة من الأجهزة يميز فيها بين الأجهزة القمعية والأجهزة الإيديولوجية. وعلى خلاف التصورين السابقين، يرى فوكو-من منظور بنيوي- أن سلطة الدولة لا يمكن حصرها في مجموعة من الأجهزة لأن السلطة علاقات هيمنة تمتد في كل الجسم المجتمعي.


Your Social Investment Network