Translate

الأحد، 3 يناير، 2016

معايير علمية النظريات العلمية

إن العلاقة التي تربط النظرية بالتجربة علاقة جدلية -علاقة تأثير وتأثر- فالنظرية تؤثر في التجربة من خلال تأطيرها وتوجيهها عندما تـحدد عناصرها وتفاعلاتها، والتجربة تؤثر في النظرية، من خلال تصحيحها، عندما تكتشف الأخطاء التي تتضمنها، وبذلك تتقدم النظرية، وهذا ما يجعل المعرفة العلمية معرفة متطورة، تتطور بفعل هذا الجدل بين النظرية والتجربة.


الاشكال
كيف يتم التمييز بين "النظريات العلمية" و"النظريات غير العلمية"..؟
وبشكل أدق، ما هي المعايير التي تجعل من نظرية ما علمية..؟ هل في ارتباطها بالتجربة..؟ أم في تعدد اختباراتها..؟ أم في قابليتها للتكذيب والتفنيد..؟

روني طوم: معيار القابلية للتجريب
يرى ان الواقعة التجريبية لا يمكن أن تكون علمية إلا إذا استوفت شرطين:
أولهما: أن تكون قابلة لإعادة الصنع، وهذا يتطلب أن تكون محاضر إعداد التجربة وإجرائها دقيقة بما يكفي للتمكن من إعادتها في أزمنة وأمكنة مختلفة.
وثانيها: أن تثير اهتماما قد يكون تطبيقيا أو نظريا، يتمثل الاهتمام التطبيقي في الاستجابة لحاجيات بشرية، أما الاهتمام النظري فيعني أن البحث يدخل ضمن إشكالية علمية قائمة.
في هذه الحالة يكون الهدف من التجريب هو التحقق من صدق فرضية ما - نظرية- تتضمن قضايا عقلية يتم التسليم بوجودها، كالعلاقات السببية، أي الربط بين السبب والنتيجة.

بيير تويلي: معيار تعدد الاختبارات
ينتقد معيار التحقق التجريبي للحكم على علمية نظرية ما، فالتحقق التجريبي في نظره لا يعطي دلائل قطعية، أي لا توجد تجربة حاسمة ونهائية، إذ تظل نتائج هذا التحقق التجريبي جزئية وقابلة دائما للمراجعة.
لهذا يدعوا العالم لكي يحقق علمية نظريته، إلى استبدال معيار التحقق التجريبي بمعيار - تعدد الاختبارات – أي القيام باختبارات متعددة للنظرية الواحدة، وإخضاعها للفحص عدة مرات للتأكد من نتائجها والمقارنة بينها في كل مرة. لكي تحافظ من جهة، على تماسكها المنطقي الداخلي، ومن جهة أخرى، كي تخرج من عزلتها التجريبية، أي عدم انغلاقها على ذاتها كحقيقة تدعي اليقين المطلق، وذلك بانفتاحها على فروض نظرية جديدة.
إذن، يمكن القول ان تعدد الاختبارات هو معيار  عملية النظرية وعلامة قوتها.

كار بوبر: معيار القابلية للتكذيب أو التفنيد
يشبه النظرية بالآلة الميكانيكية، فيعتبر ان كل آلة لا تقبل تفكيكها والبحث عن مكامن الخطأ فيها، لا يمكن اعتبارها صحيحة، وكل آلة لا يمكن تكذيبها، أي اختبارها، لا يمكن اعتبارها تجريبية. هكذا يجب على النظرية، إن شاءت أن تكون علمية، أن تكون قابلة للتنفيذ والتكذيب.
إن النظرية العلمية التجريبية، هي التي تستطيع ان تكون قادرة على تقديم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها، وتبرز نقط ضعفها، وتخضع، بصفة قبلية، فروضها لمعيار القابلية للتفنيد أو التكذيب. ومعنى هذا، أنه يمكن اختبارها بشكل دائم من أجل تجاوز العيوب الكامنة فيها.
من هنا يؤكد على أن معيار صدق وصلاحية النظرية العلمية، يتجلى في قابليتها للتكذيب أو للتفنيد. وكلما ضعفت الاحتمالات والتنبؤات التي يمكن أن تفند النظرية، كلما كانت النظرية خارج مجال العلم التجريبي.

الحسن بن الهيثم: دور النقد في بناء النظرية العلمية
يرى عالم المناظر الحسن بن الهيثم، أن للنقد وظيفة أساسية لبناء المعرفة العلمية، مؤكدا على أنه ينبغي على كل ناظر في كتب العلماء، أن يموقع نفسه كخصم لكل ما ينظر فيه، فلا يتحامل عليه ولا يتسامح معه. وفي ذلك يقول:
"لما كان الناس من طبعهم، التصديق بأقوال العلماء وبنظرياتهم، مع حسن الظن بهم، كما لو أن نظرياتهم وأفكارهم حقائق لا يشوبها الباطل، فإن على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يتخذ موقفا نقديا اتجاه ما ينظر إليه من جميع النواحي، لكن دون أن يتحامل عليه أو يتسامح فيه، ومن شأن هذه الطريقة أن تكشف له الحقائق، وما قد يشوبها من نقائص أو شبهات".

خلاصات عامة
1.  إن تأمل تاريخ اشتغال مفهومي النظرية والتجربة في العلم التجريبي، بالرغم من إدراكنا لبعض علاقات التوتر والصراع بينهما، يكشف لنا عن تداخلهما وتكاملهما الضروريين، فهما يكونان معا النظرية العلمية التجريبية.
2.  ساهم الحوار بين النظرية والتجربة في العلم في إعادة صياغة مفاهيم فلسفية وعلمية أساسية مثل مفاهيم: العقل والواقع، والذات، والموضوع، والتجربة، والخطأ، والكذب، واليقين...
3.    لا وجود لنظرية علمية عقلية خالصة، ولا وجود لتجربة مستقلة عن العقل.

4.    إن انغلاق النظرية على ذاتها هو فناؤها، كما أن انغلاق العقل على ذاته هو عزلته ونهايته.

ردود الأفعال:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Your Social Investment Network