Translate

الأربعاء، 28 أكتوبر، 2015

ما هي الظروف التي أدت إلى ظهور الفلسفة؟


إطار النشأة:
أ - الإطار المكاني: لقد ظهرت الفلسفة لأول مرة في بلاد اليونان التي تحدها جنوبا جزيرة «كريت» التي شهدت بداية الحضارة والمدنية، وشرقا آسيا الصغرى التي كانت تعرف ازدهارا صناعيا وتجاريا وفكريا، أما غربا فتحدها إيطاليا، وأخيرا تحدها من جهة الشمال مقدونيا، تتميز بلاد اليونان من الناحية التضاريسية بالحواجز الطبيعية كالمرتفعات (الجبال والهضاب) مما جعلها عبارة عن مناطق منعزلة، ومع صعوبة المواصلات فقد تطورت كل مدينة في استقلال عن المدن الأخرى، حيث اعتمدت كل مدينة على الاكتفاء الذاتي اقتصاديا، كما كان لكل مدينة نظامها السياسي الخاص وحكومتها المستقلة سياسيا، ودينها وحضارتها المتيزة ثقافيا، وأشهر مدنها مدينتي إسبرطة وأثينا، حيث تقع مدينة أثينا في شرق بلاد اليونان، مما جعل منها البوابة التي يدخل من خلالها ترف وحضارة مدن آسيا الصغرى إلى المدن الإغريقية الناشئة، وكانت تملك ميناء وأسطولا تجاريا بحريا كبيرا، بعد أن حولت أسطولها العسكري الذي ساهمت به إلى جانب إسبارطة لصد أطماع الفرس الاستعمارية زمن داريوس، فأصبحت من أعظم المدن التجارية في العالم القديم.
ب - الإطار الزماني: لقد ظهرت البوادر الأولى للتفكير الفلسفي في بداية القرن 6 ق. م في مدينة ملطية على ضفاف آسيا الصغرى، حيث أقام الأيونيون مستعمرات غنية ومزدهرة، وقد كان ظهورها على يد طاليس، وأنكسمندر، وأنكسمانس، الذين أرجعوا أصل الكون إلى قوى طبيعية: الماء، الهواء…، لكن الفلسفة بشكلها المكتمل لم تظهر إلا في القرن 4 ق.م بأثينا مع فلاسفة اليونان الكبار: سقراط، أفلاطون، أرسطو.

فعل النشأة:
لقد نشأة الفلسفة بفعل توفر سلسلة كاملة من الشروط في بلاد اليونان، ما بين القرنين 8 و4 ق.م، وهي:
أ - على المستوى الاقتصادي: نظرا لارتباط الإغريق بالبحر فقد ازدهرت لديهم الملاحة والتجارة والصناعة، مما أدى إلى بروز تقسيم العمل والمبادرة الفردية الحرة، كما ظهر النقد في المبادلات التجارية بدل المقايضة.
ب - على المستوى الاجتماعي: ظهور الطبقات الاجتماعية نتيجة تقسيم العمل (الأحرار/العبيد) إضافة إلى ظهور المدينة – الدولة، التي سمحت ببزوغ عقلية جديدة، وقد اتسمت بالانسجام والتناغم، سواء على صعيد الفضاء الهندسي أو الجماعة البشرية التي تقطنها.
ج - على المستوى السياسي: لقد تميزت المدينة اليونانية بسيادة الديمقراطية التي تمثلت في المساواة بين المجال الحضري والمجال القروي الذي كانت تشمله، فللقرويين والحضريين نفس الحقوق ونفس الواجبات، حيث يحتكمون إلى نفس المحاكم، ينتخبون نفس النواب، ويجتمعون تحت قبة نفس البرلمان.
د - على المستوى الثقافي: لقد كانت الثقافة مشتركة ومشاعة بين اليونانيين، ولم تعد امتيازا لبعض العائلات أو بعض الأدباء والمثقفين، نتيجة انتشار الكتابة الأبجدية التي أتاحت للمواطنين جميعا تعلم القراءة والكتابة، كما أن المجال كان مفتوحا أمامهم للمشاركة في الحفلات والحضور إلى المسارح للاستمتاع بجميع الإبداعات الفنية والأدبية.
هـ - على المستوى الفكري: لقد كان للديمقراطية السياسية، وإشاعة الثقافة تأثير على تطور الأفكار عند اليونان، فبعد أن كانت الحقيقة تعد سرا غيبيا يوحى، محروسا من قبل أسر معينة، صارت المعارف والتقنيات الذهنية معروضة أمام الجميع وفي واضحة النهار، وأصبحت قواعد العمل السياسي المتمثلة في الإشهار والنقاش الحر والحجاج، قواعد للفكر كذلك، تتجلى في نشر المذاهب والنظريات، وإخضاعها للنقد والمناظرة، وإعطاءها صورة استدلالية برهانية، وهذه هي مظاهر التفكير الفلسفي.

استنتاج:

إن الفلسفة ليست معجزة إغريقية خص بها الله اليونان دون غيرهم من الشعوب والأمم، وإنما هي ظاهرة تاريخية جاءت نتيجة تفاعل عدة شروط تاريخية: اقتصادية، اجتماعية، سياسية، ثقافية.

السبت، 24 أكتوبر، 2015

تحليل نص جورج غوسدورف: استقلالية الشخص

مجزوءة الوضع البشري
المحور الثاني: الشخص بوصفه قيمة


 تحليل نص جورج غوسدورف: استقلالية الشخص

تأطير النص:
النص مقتطف من كتاب "مقالة في الوجود الأخلاقي" (1949) لجورج غوسدورف، وفي هذا النص يسير غوسدورف على خلاف الفلسفات السابقة التي تناولت الشخص من منظور نظري وميتافيزيقي، فهو يؤكد في هذا الكتاب أن قيمة الشخص لا تتحدد في المجال الوجودي الفردي، ولكن في إطار أشكال التضامن بين الناس.
صاحب النص:
جورج غوسدروف فيلسوف فرنسي ولد عام 1912 ومات سنة 2000، درس الفلسفة بجامعة ستراسبورغ، من مؤلفاته المعروفة "اكتشاف الذات"، "رسالة في الوجود الأخلاقي"، "مدخل إلى العلوم الإنسانية"، وجه غوسدورف نقدا إلى الفلاسفة العقلانيين الذين يفككون الشخص ويرسمون للإنسان صورة مجردة لا يمكن للناس العاديين أن يتعرفوا فيها على أنفسهم، داعيا إلى إحياء الأساطير لأنها تنطق بمادة الواقع الإنساني وتحتوي على القيم في حالتها البدائية، إن الإنسان في نظره لا يواجه مشكلات منطقة مجردة بل مواقف درامية لا بد لها أن يتحمل فيها مسؤولية حريته الخاصة في مواجهة أخطار الوجود كافة، ولكي يتعرف الإنسان ذاته لابد من الاستعانة شعار "كن من أنت"، وترك الشعار الاتباعي "اعرف نفسك بنفسك".
الطرح الإشكـالي:
*    أين تكمن قيمة الشخص، هل في وجوده الفردي أم في انخراطه داخل أشكال التضامن بين الناس؟
المفاهيم الأساسية:
الاستكفاء: هو قدرة الفرد على العيش ماديا وأخلاقيا بمعزل عن الآخرين، بمعنى أنه يكون قادرا على تحقيق حاجياته في استقلالية عن الآخرين، وهو ما يختلف عن طابع الإنسان باعتباره كائنا مدنيا واجتماعيا بطبعه. 
 الغيـر: هو مقابل الأنا، وهو الآخر الذي تعيش الأنا في علاقات معه، وتكون علاقة الأنا بالغير مبنية على الصداقة أو على الغرابة ...، وقد يكون الغير فردا أو جماعة أو ثقافة.
التضامن: ظاهرة اجتماعية تنعكس في كون الأفراد يترابطون فيما بينهم في شكل بنية تضامنية، وقد يكون تضامنا آليا كما في المجتمعات البدائية، وقد يكون تضامنا عضويا في المجتمعات التي تعرف كثافة سكانية كبيرة (كما يرى إميل دوركايم).
الأطروحة:
يرى غوسدورف بأن معرفة الذات لا تتحقق بمجرد النظر إلى أنفسنا والتأمل فيها، إنها لا تتحقق إلا بواسطة العالم وفي العالم، وهنا نتكلم عن الإنسان كشخص يكتمل مع الآخر ويكتسب قيمته داخل الجماعة.
الأفكار الأساسية:
ü     عرفت البشرية عبر تاريخها أشكال تضامن بسيطة وأساسية سمحت لها بالبقاء.
ü     إن الكمال الشخصي لا يكمن في مجال الوجود الفردي ولكن في مجال التعايش داخل المجموعة البشرية.
ü     الشخص الأخلاقي هو الذي يدرك أنه لا يوجد إلا بالمشاركة مع الآخرين.
ü     الشخص الأخلاقي هو الذي يقبل الوجود النسبي ويتخلى نهائيا عن الاستكفاء الوهمي.
البنية الحجـاجية:
النفي: لا ينبغي أن ننسى، أن الغنى لا يوجد في التحيز...
أمثلة: التضامن، الاستكفاء، الاستقلال...
التقابل: يقبل... ويتخلى...
الاستنتاج:
الكمال الشخصي لا يتحدد في مجال الوجود الفردي المستقل، بل يتحقق في مجال التعايش وداخل المجموعة البشرية وانفتاح الذات الفردية على الكون وتقبل الآخر.
قيمة النص وراهنيته:
تكمن قيمة النص في التأكيد على ضرورة اندماج الفرد داخل الحياة الاجتماعية، وأن يكون فاعلا داخل هذه الجماعة، ومتعايشا مع الآخر في إطار التكامل الإنساني، وهذه القيمة مهمة في واقعنا الحاضر خاصة وأن حالة من العنف والفوضى تطبع كثيرا من العلاقات بين الأفراد والمجتمعات.


الاثنين، 19 أكتوبر، 2015

المحور الأول: الشخص والهوية

مفهوم الشخص


يحيل مفهوم "الشخص" في التمثل اليومي المشترك على الكائن البشري (الإنسان) دون غيره من الكائنات الأخرى. فالشخص ليس حيوانا، كما أنه ليس موضوعا (شيئا). لذلك فالشخص يتوفر على هوية خاصة قد يستمدها من طبيعته العقلية، أو من إحساساته وأفعاله، أو من بعده الروحي الداخلي، أو إرادته في الحياة. كما أن الشخص له قيمه قد تظهر إما من طابعه الاجتماعي الذي يجعل منه عضوا اجتماعيا يعي أهمية الحياة الاجتماعية، وإما من دوره كذات أخلاقية غايتها خدمة الإنسانية في شخصها، وفي شخص الآخرين، والشخص أيضا قد يظهر كنتاج لبعض الضرورات التي قد تشرط وجوده، وتفقده مقوماته كذات حرة ومريدة.

إشكالية المحور
ما هو الأساس الذي تقوم عليه هوية الشخص...؟


موقف جوب لوك: الهوية والشعور
تتمثل هوية الشخص في كونه كائنا عاقلا قادرا على التفكير والتأمل بواسطة الشعور الذي يُكون لديه عن أفعاله الخاصة، حيث لا يمكن الفصل بين الشعور والفكر، لأن الكائن البشري لا يمكن أن يعرف أنه يفكر إلا إذا شعر أنه يفكر. وكلما امتد هذا الشعور ليصل إلى الأفعال والأفكار الماضية، اتسعت وامتدت هوية الشخص لتشمل الذاكرة، لأن الفعل الماضي صدر عن الذات نفسها التي تدركه في الحاضر. إن هذا الشعور هو الذي يشكل الهوية الشخصية للفرد التي تجعله يشعر أنه "هو هو" لا يتغير، كما تجعله يشعر باختلافه عن الآخرين.

موقف ديكارت: الفكر هو ما يمثل هوية الشخص
هوية الإنسان عنده، تتحدد انطلاقا من المذهب العقلاني، والذي يفيد بأن العقل هو نور فطري يمثل وحده جوهر الذات، فبدونه لا يمكن للشخص أن يعي الوجود ويبلغ الحقائق، ف يؤكد إذن على أن الفكر هو ما يمثل هوية الشخص، ف "الأنا أفكر" أو الذات المفكرة هي ما يشكل الهوية الشخصية للإنسان نظرا لكونها الحقيقة اليقينية التي تتمخض عنها تجربة الشك.إذن، فهو يعتبر أن الشخص كائن مفكر، مريد، متخيل، له إحساس، لكنه في النهاية، هو كائن يبني معارفه ووجوده، معتمدا على فعل الشك. وهذا ما نجد له صدى في عبارة الكوجيطو الشهيرة "أنا أفكر إذن أنا موجود".وعادة ما يعبر عن الكوجيطو الديكارتي بما يلي: "من الواجب ان اشك في كل شيء ولكن الشيء الذي لا يمكنني ان اشك فيه هو أنني اشك، وبما أنني اشك فأنا أفكر، وبما أنني أفكر فأنا موجود".

موقف شوبنهاور: الإرادة كأساس لهوية الشخص.
يرى أنه بالرغم من التحولات التي يحملها الزمن إلى الإنسان، فإنه يبقى فيه شيء لا يتغير، وهو الذي يمثل نواة وجوده التي لا تتأثر بالزمن. وهذا الشيء لا يتمثل في الشعور المرتبط بالذاكرة والماضي، لأن أحداث الماضي يعتريها النسيان، والذاكرة معرضة للتلف بسبب الشيخوخة أو المرض. وأيضا هذا الشيء غير مرتبط بالعقل والتفكير الذي ليس إلا وظيفة بسيطة للمخ. وليس في الجسم لأن هذا الأخير يتغير عبر السنين، سواء على مستوى مادته أو صورته.
من هنا يرى أن أساس هوية الشخص ونواة وُجُودِهِ تتوقف على الإرادة (أي في أن نريد أو لا نريد)، إرادة الحياة التي تظل ثابتة فينا حتى عندما ننسى ونتغير كلية، وهي التي تمثل ذاتنا الحقيقية والمحركة لِوَعيِنا وذاتنا العارفة.

خلاصة

يتبين إذن ان الإنسان بوصفه شخصا، يمتلك هوية ثابتة أساسها الوعي أو الشعور والذاكرة أو إرادة الحياة ... والاختلاف الملحوظ بين الفلسفات حول تحديد طبيعة الهوية الشخصية، يرجع إلى يباين المنظورات المعتمدة (نزعة عقلانية – تجريبية- تشاؤمية...).لكن الاهتمام الفلسفي بمفهوم الشخص لا يشتغل عليه من حيث هو كائن وجوهر فقط، بل اهتم الفلاسفة بالشخص بوصفيه قيمة وغاية أيضا، فكيف ذلك وبأي معنى..؟

الجمعة، 16 أكتوبر، 2015

مدخل منهجي لدراسة مادة الفلسفة الاولى باكالوريا

مدخل منهجي لمادة الفلسفة
لمستوى الأولى باكالوريا


مادة الفلسفة من المواد الأساسية والمهمة في حياة التلميذ وآفاقه المعرفية والتربوية والتواصلية، وهي إلى جانب باقي المواد الأخرى تساهم في تطوير رصيده المعرفي والثقافي، يرتقي من خلالها التلميذ عبر مسالك الحياة الدراسية والعملية والاجتماعية...
أما ما تتميز به الفلسفة عن غيرها من المواد، فهو اهتمامها بإكساب التلميذ مهارات وتقنيات منهجية تساعد على حسن التواصل مع الآخرين في فضاءات مختلفة ومتعددة مثل فضاء الأسرة وفضاء المجتمع، المؤسسة التعليمية، العمل،... كما تكسبنا الفلسفة منهجية خاصة لممارسة التفكير النقدي، وطريقة إنتاج الأفكار، واكتساب مجموعة من المهارات الحجاجية والاستدلالية، واللغوية والتربوية والنفسية.
كل هذا سنعمل على تحقيقه هذه السنة من خلال المكونين الأساسيين تحليل النصوص والإنشاء الفلسفي، هذان المكونان هما اللذان سيشكلان أساس الدرس الفلسفي في الأولى باكالوريا.
تحليل النصوص أو منهجية الفهم، يكون الهدف منه هو اكتساب مهارة التحليل النقدي، واكتساب منهجية لتلقي الأفكار وتصنيفها وتقييمها وفحصها فحصا نقديا، وفي هذه العملية نستطيع التعرف على طرق ومناهج مختلفة في إنتاج الأفكار عند مجموعة من الفلاسفة والمفكرين، وهذا ما يمكن ان يزودنا بإمكانات وطرق متعددة في انجاز أفكارنا وإيصالها للآخرين.
الإنشاء الفلسفي أو منهجية الإفهام، نتدرب من خلاله على حسن إيصال أفكارنا للآخرين وإقناعهم بها والدفاع عنها وحمايتها من سوء الفهم، ومنهجية الإفهام لا تأتي من فراغ بل تكتسب عن طريق التدرب والممارسة الفعلية للإنشاء الفلسفي سواء داخل القسم أو خارجه من بحوث وتمارين وعروض.

ماذا نقصد بالمفهوم...؟ وما دلالته الفلسفية...؟
المفهوم يكثر استعماله في الفلسفة، وهو يختلف عن الكلمة والمصطلح، فإذا كانت الكلمة يمكن تعريفها تعريفا لغويا محددا ودقيقا، والمصطلح أيضا يمكن تعريفه وفق ما اتفق عليه بين أهل التخصص، فإن المفهوم لا يمكن تعريفه تعريفا جامعا مانعا وذلك لأنه يتميز بالتجريد والشمولية والغموض والنسبية والتعددية، وهو ذو حمولة غنية ثقافيا وفكريا ومعرفيا، ولهذا فمحاولة فهمه تستدعي استحضار كل المقاربات السابقة وكذا ضبط العلاقات الحاصلة بين المفهوم وبين غيره من المفاهيم المرتبطة به.

وباختصار يمكن ان نعرف المفهوم على انه نسق من الأفكار والمعطيات والآراء حول قضية أو ظاهرة معينة فكرية أو كونية أو معرفية نستحضرها بهدف فهمها وإعطاء تصور واضح حولها.

إشــكــالــيــة تــعــريــف الــفــلــســفــة:

إشــكــالــيــة تــعــريــف الــفــلــســفــة:

1.    نظرة الإنسان العامي للفلسفة:
   إن كلمة: «الفلسفة» ليست غريبة عن مسامعنا، فهي متداولة بشكل واسع في لغتنا اليومية، إلا أن استعمالها كثيرا ما يتميز بنوع من الاستهزاء والتهكم، حيث أنها توصف بالثرثرة والكلام الفارغ وغير المفيد، كما توصف أنها طريق للإلحاد أو سبيلا للحمق، كما تنعت بالتعقيد والغموض، وهي أحكام قائمة على تمثلات ساذجة وأحكام مسبقة، بعيدة كل البعد عن أي تحليل علمي أو منطقي مؤسس على الحجة والبرهان، كما أنها تتهم بكونها أفكارا غير مألوفة، والحقيقة أن في هذه التهمة نصيب من الصحة لأن التفلسف في أحد معانيه هو خروج عن المعتقدات السائدة، والأفكار المألوفة،
2.    الدلالة الاشتقاقية للفظة فلسفة:
    أصل كلمة فلسفة ترجع إلى اللغة اليونانية، وهي مركبة من شقين أساسيين: Philo / sophia  ومعناها محبة الحكمة. وأول من استخدم هذه الكلمة هو الفيلسوف اليوناني "فيتاغورس" الذي اعتبر نفسه محبا للحكمة وليس حكيما، اعتبارا منه أن الحكمة مرتبطة بالآلهة فقط، وما هو سوى إنسان يحاول بلوغ معرفة تقترب من الحكمة، والحكمة ممارسة عقلية قائمة على التأمل المجرد الذي يتوق إدراك الحقائق الكلية والمعرفة الخالصة المطلوبة لذاتها. غير المحكومة بالمنفعة المادية والبعيدة عن الأغراض الذاتية.
3.    بعض تعاريف الفلاسفة للفلسفة:
Ø     فيتاغـورس: "الفلسفة هي محبة الحكمة".
Ø     أفـــلاطـــون: "الفلسفة هو ذاك العلم الذي يبحث عن الحقائق المطلقة فيما وراء ظواهر الأشياء".
Ø     أرســــطــــو: "الفلسفة بحث في الوجود من حيث هو موجود".
Ø     ابــن رشــــد . " الحكمة هي البحث في المصنوعات من جهة دلالتها على الصانع". "الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة".
Ø     ديـــكـــارت: "الفلسفة هي بمثابة شجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها العلم وفروعها الأخلاق والطب والميكانيكا".

وبصيغة بسيطة يمكن القول أن الفلسفة هي نشاط ذهني ناقد، ولا تعترف بالمُسلمات الجاهزة، ولا تعرف اليقين المُسبق بأية معلومة، وعليه فقد كان الشائع عند الفلاسفة هو الهدم قبل التأسيس، فكل معلومة يتم نقلها من الجيل السابق يتم التحقق منها عبر نقدها وإخضاعها للفحص الدقيق والمنطقي.

تقديم إشكالي لدراسة مادة الفلسفة

تقديم إشكالي لدراسة مادة الفلسفة
-الجذوع المشتركة-


الفلسفة أو (فيلوسوفيا)...أين ظهرت؟ ومتى ظهرت؟ لماذا ظهرت في هذا البلد وليس في ذاك؟ لماذا في هذا الزمان دون غيره من الأزمنة؟ ماهي الشروط التي ساهمت في بروز هذا النمط من التفكير وفي انتشاره؟ وكيف تم الانتقال من التفكير الأسطوري إلى التفكير الفلسفي؟ ثم ما هو الجديد الذي حملته الفلسفة بصفة عامة معها بالقياس إلى أنواع التفكير التي كانت سائدة آنذاك..؟
كيف نفسر فعل نشأة الفلسفة وانتشارها..؟ هل بالحروب أم بالهجرات..؟ أم بالثقافة السائدة آنذاك...؟ أم بشكل النظام السياسي والاقتصادي..؟ أم ببنية المدينة اليونانية وخصوصيات تركيبتها..؟ أم ماذا..؟
يتكون إطار نشأة الفلسفة من ثلاثة مجالات هي "اللغة" و "المكان" و "الزمان" وترتبط هذه المجالات باليونان القديمة، ففي بلاد اليونان، وفي بداية القرن السادس قبل الميلاد، وفي المدينتين أثينا وملطية اليونانيتين ظهر بعض المفكرين الذين لم يهتموا بالأحداث والمظاهر ولكن بالمبادئ الكامنة وراء مختلف الأشياء، وكان يطلق على هؤلاء اسم حكماء طبيعيين.
هؤلاء الحكماء الطبيعيون الذين اندهشوا من التغير الذي يطرأ على الأشياء، الأمر الذي دفعهم إلى البحث عن طبيعة تلك المبادئ بإرجاع المتعدد إلى الواحد والمتغير إلى الثابت وهذا ما حاول.نيتشه أن يبرزه في النص ص15.
إلا أن صفة الحكمة لا تنحصر في الحضارات اليونانية وحدها، بل سبقتها إلى ذلك حضارات وشعوب أخرى في الشرق القديم (الصين، الهند...). غير أن تلك الحكمة ارتبطت عندهم بالأساطير والمقدسات الدينية فقط، وليس بالطبيعة كما حصل عند حكماء اليونان الأوائل، كان أول هؤلاء طاليس الملطي... الذي أرجع أصل الأشياء كلها إلى عنصر واحد هو الماء، أما بالنسبة لانكسماندر فقد اعتبر "اللانهائي" هو العنصر الأولي في الطبيعة، أما أنكسماس فقد قال بالهواء، في حين قال هيراقليطس بالنار كعنصر أولي...
وهكذا فمنذ بداية ظهور الحكمة، يستبين أنها جاءت معارضة للأساطير المفسرة لأصل العالم، لذا قدمت نفسها على شكل علم ومعرفة حقيقية بالطبيعة، هذه المعرفة هي التي سمحت للإنسان أن يحتل مكانه الحقيقي بين الآلهة والحيوانات في قلب العناصر الطبيعية...

وفي القرن الرابع قبل الميلاد سيتم الانتقال من الحكمة إلى الفلسفة مع سقراط الذي يرجع إليه الفضل في إرساء أسس التفكير الفلسفي القائم على الحوار التوليدي. ورغم أن سقراط لم يخلف أثرا مكتوبا، إلا أن أفلاطون احد تلامذته هو الذي خلده من خلال محاوراته الشهيرة.

الاثنين، 12 أكتوبر، 2015

مفاهيم أساسية في درس الشخص

مفاهيم أساسية في درس الشخص






يرى الفيلسوف الفرنسي المعاصر جيل دولوز بأن ” الفلسفة هي فن ابتكار المفهوم ” ، ذلك أن الفلاسفة يشتغلون على اللغة الطبيعية العادية ويمنحون لكلماتها معاني عقلية مجردة انطلاقا من الرؤية الفكرية والأسس المعرفية التي ينطلق منها كل فيلسوف. هكذا يعتبر الفكر الفلسفي فكرا مفاهيميا بامتياز، ويصبح من غير الممكن فهم النظريات والأطروحات الفلسفية دون فهم معاني المفاهيم التي تنتظم في إطارها وكذا العلاقات التي تنسج خيوطها.
في هذا الإطار تأتي أهمية تحديد معاني المفاهيم الأساسية التي نتداولها مع التلاميذ أثناء إنجازنا للدرس الفلسفي. فتحديد هذه المعاني هو الذي يساعدنا من جهة أولى على ضبط الإشكالات المتعلقة بمحاور الدرس، كما يمكننا من جهة ثانية على تحليل نصوص الفلاسفة وسبر أغوار أطروحاتهم وفهمها فهما عميقا.
لأجل هذه الأسباب نقترح هنا بعض المفاهيم الأساسية في درس الشخص، والتي عملنا على تحديد معانيها – في معظم الأحيان- انطلاقا من المعجم الفلسفي المشهور لجميل صليبا، علما بأننا نؤمن باختلاف معاني المفاهيم الفلسفية حسب السياقات المعرفية والأنساق الفكرية لهذا الفيلسوف أو ذاك. ولهذا وجب الحذر والمقارنة بين معنى المفهوم المعجمي ومعناه لدى هذا الفيلسوف أو ذاك. ومع ذلك نطمئن القارئ بأن المعاني المعجمية المقدمة هنا للمفاهيم هي معاني يستخلصها الفيلسوف مما هو متداول في تاريخ الفلسفة ونصوصها، ولذلك فغالبا ما تأتي مشابهة أو أحيانا مطابقة للمعاني التي تتخذها في نصوص الفلاسفة الذين يناقشون إشكالات الدرس.
فعسى أن يجد، سواء التلميذ أو الأستاذ، في هذا العمل البسيط ما يفيده في فهم إشكالات درس الشخص وأطروحاته. 

* الشخص: Personne

* يقول كانط: « الشخص هو الذات التي يمكن ان ننسب إليها مسؤولية أفعالها ».
* يدل في اللغة العربية على الظهور والتعين. كما قد يطلق حسب “أندري لالاند” على الشخص الطبيعي من حيث هو جسم ومظهر، وعلى الشخص المعنوي من حيث هو ذات واعية، وعلى الشخص القانوني من حيث أن له حقوقا وواجبات.

* الهوية: Identité

* جاء في معجم جميل صليبا ما يلي:
- « تطلق الهوية على الشخص إذا ظل هذا الشخص ذاتا واحدة رغم التغيرات التي تطرأ عليه في مختلف أوقات وجوده، ومنه قولنا هوية الأنا… وتسمى هذه الهوية بالهوية الشخصية ».
- « قال الفارابي : ” هوية الشيء، وعينيته، وتشخصه، وخصوصيته، ووجوده المنفرد له، كل واحد “.
هكذا يدل مفهوم الهوية الشخصية على الخاصية أو الخصائص التي تجعل الشخص مطابقا لذاته فيكون هوهو، أو متميزا عن غيره. فالهوية هي إذن مبدأ وحدة واختلاف. 

* الذاكرة: Mémoire

جاء في معجم جميل صليبا ما يلي:
« الذاكرة هي القدرة على إحياء حالة شعورية مضت وانقضت مع العلم والتحقق أنها جزء من حياتنا الماضية… ويطلق لفظ الذاكرة على القوة التي تدرك بقاء ماضي الكائن الحي في حاضره ».

* الإرادة: Volonté

نجد في معجم جميل صليبا المعاني التالية:
« هي في الأصل طلب الشيء، أو شوق الفاعل إلى الفعل (ابن رشد)… ».
« الإرادة هي نزوع النفس و ميلها إلى الفعل، بحيث يحملها عليه… ».
« الإرادة هي القوة التي هي مبدأ النزوع، وتكون قبل الفعل… أما إرادة الحياة فهي عند شوبنهاور المبدأ الكلي للجهد الغريزي الذي يحقق به كل كائن مثال نوعه، ويناضل ضد الكائنات الأخرى لاستبقاء صورة الحياة الخاصة به ».

* القيمة: Valeur

جاء في معجم جميل صليبا ما يلي:
« القيمة تطلق على كل ما هو جدير باهتمام المرء وعنايته… وقيمة الشيء من الناحية الذاتية هي الصفة التي تجعل ذلك الشيء مطلوبا ومرغوبا فيه… ويطلق لفظ القيمة من الناحية الموضوعية على ما يتميز به الشيء من صفات تجعله مستحقا للتقدير ». 

* الكرامة: Dignité

نجد في معجم جميل صليبا التحديد التالي:
« هي اتصاف الإنسان بما يليق به من الفضائل التي تجعله أهلا للاحترام في عين نفسه وعين غيره. ويطلق اصطلاح الكرامة الإنسانية على قيمة الإنسان من جهة ما هو ذو طبيعة عاقلة ».

* الواجب: Devoir

جاء في معجم جميل صليبا المعنى التالي:
« هو الإلزام الأخلاقي الذي يؤدي تركه إلى مفسدة. ويطلق على الأمر المطلق في فلسفة كانط، وهو الأمر الحازم الذي يتقيد المرء لذاته، دون النظر إلى ما ينطوي عليه من لذة أو منفعة ».

* الضرورة: Nécessité

جاء في معجم جميل صليبا ما يلي:
« [الضرورة] اسم لما يتميز به الشيء من وجوب أو امتناع ».
« الضروري في اصطلاحنا هو الأمر الدائم الوجود، أو الأمر الذي لا يمكن تصور عدمه، وهو مرادف للواجب، وضده الجائز ».
« ويطلق لفظ الضروري أيضا على نتيجة القياس اللازمة عن مقدماته ».
« الضروري في اللغة كل ما تمس الحاجة إليه، وكل ما ليس منه بد ». 

* الحتمية: Déterminisme

جاء في معجم جميل صليبا ما يلي:
« هي القول إن كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة مقيدة بشروط توجب حدوثها اضطرارا … أو هي القول بوجود علاقات ضرورية ثابتة في الطبيعة توجب أن تكون كل ظاهرة من ظواهرها مشروطة بما يتقدمها أو يصحبها من الظواهر الأخرى ».
« الحتمية بالمعنى الفلسفي مذهب من يرى أن جميع حوادث العالم، وبخاصة أفعال الإنسان، مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا محكما … ».

· الحرية: Liberté 

نجد في معجم جميل صليبا المعنى التالي:
« الحرية خاصة الموجود الخالص من القيود، العامل بإرادته أو طبيعته… وإذا كانت الحرية مضادة للحتمية دلت على حرية الاختيار، وهي القول إن فعل الإنسان متولد من إرادته».
نكتفي بهذه المفاهيم، مع العلم أن هناك مفاهيم أخرى في الدرس يتوجب الاهتمام بها والبحث عن دلالاتها الفلسفية.

Your Social Investment Network