مفهوم الاسمية

الاسمية 
عادل العوا



الاسمية nominalism مذهب ينتمي أصحابه، بالمعنى الدقيق، إلى فلسفة العصر الوسيط الأوربي، وهو بالحري حركة منطقية وابستيمولوجية[ر] امتد تأثيرها الموصول إلى ميدان العلم الحديث والمعاصر.
وغير خافٍ أن الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط تعرف باسم الفلسفة المدرسية philosophie scolastique أو (الاسكولاتية). وقد تميزت بتنهيج الفكر المسيحي متأثراً في مرحلة أولى بالأفلاطونية الأوغسطينية، وهو تيار تقليدي، ويقابله تيار ثوري متسم بسيادة الأرسطية الرُّشْدِيّة ولاسيما بعد ذيوع ترجمات كتب أرسطو المأخوذة عن العرب عامة، وعن ابن رشد المعروف باسم «الشارح» خاصة. وثمة تيار ثالث يسمى التيار الإصلاحي، وفيه ازدهرت الأرسطية التومائية.
في هذا الإطار نشأت الاسمية مذهباً يمثله في القرن الثاني عشر الجدلي الفرنسي روسلان دي كومبيني (1050- ما بعد 1120) Roscelin de Compiègne  ثم خبت حقبة وازدهرت مرة أخرى لدى مفكرين وفلاسفة من أمثال بيير أوريول P.Auriol (ت 1322) وغيوم دو أوكّام (1295-1350)   G.d’Occamوهو أشهرهم، ونيقولا دوتركور N.d’Autrecourt (توفي نحو 1360) وبريدان Boridan (ت 1360) وبيير دايلي P.d’Ailly (ت 1420).
ومن الجائز إيضاح هذا المذهب بالإلماع إلى تعريفاته أولاً، وتمايزه مما يقابله من مذاهب معاصرة في العصر الوسيط، ثم التمهل أمام أكثر ممثليه أهمية وهما روسلان وأوكام.
يتفق الباحثون في تاريخ المذاهب الفلسفية على أن الاسمية تنطلق من نقاط سابقة متصلة بتاريخ المنطق في العصر القديم. فقد كان المنطق لصيق الاتصال بما وراء الطبيعة. وقد تأثر بالرواقية وبالمشائية وغدا علماً صورياً يُعنى عناية خاصة بنظرية المفهوم أو التصور. وبقيت كتب خطباء اللاتين المتأخرين معتَمدة في التعليم حتى القرن الثاني عشر، ومنها كتب مارسيوس فيكتورينوس M.Victorinus ومارسيانوس كابلاّ M.Capella وبويس (470-524)Boece  مترجم مصنفات أرسطو المنطقية إلى اللاتينية. وقد ترجم  بويس التحليلات الأولى والثانية وسواها وأطلق عليها اسم المنطق الجديد، فكان من جراء ذلك الرجوع إلى طرح مشكلة الكليات طرحاً حاداً أثار خصاماً شديداً هو إلى المعركة أدنى، وبها أشبه.
دارت هذه المعركة بين ثلاثة فرقاء يمثلون النزعات الأكثر إثارة في الفكر الفلسفي الوسيط المتضمن مشائية مشوبة ببعض من الأفلاطونية الحديثة من نمط المذاهب اللاهوتية ـ الكلامية التي عرفها من قبل الفكر اليهودي والمسيحي والإسلامي وقد انعكست تفاعلاتها المعقدة في تراكيب تتساءل عن حقيقة الكليات: هل هي كلمات، أو أفكار، أو وقائع؟ وإذ ذاك ظهرت الحلول الثلاثة الآتية.
رأى الاسميون أن الكلي هو الكلمة (أو الصوت) التي تعرب عنه. ورأى الواقعيون، على العكس، أن الكلي شيء، وأنه لا يوجد بذاته كما حسب أفلاطون، بل في الكائنات الفردية. وإلى ذلك ذهب غيوم دي شامبو (1070-1120)G.de Champeau ، أسقف شالون، قائلاً: كل إنسان هو الإنسان مضافاً إليه ما يجعله هذا الإنسان أو ذاك. ولكن خصومه انتقدوه بملاحظة أن ذلك الأمر لو صحّ لكان الإنسان الماثل في سقراط يتألم، وكذلك الإنسان الماثل في أفلاطون، أو في أي فرد من الناس. فرجع عن رأيه، ودنا من مذهب ثالث هو الواقعية المعتدلة ويمثلها بوجه خاص أبيلار (1078-1124) Abelard  القائل بنظريات حظيت بشهرة واسعة، وهي ترى أن ثمة واقعاً في الكائنات الفردية، ولكن بين هذه الكائنات  الفردية صفات مشتركة، وهذه الصفات لا تنفصل عن الصفات الفردية. غير أن الفكر يستطيع أن ينظر إليها واحدة واحدة. وبذلك تكون الأفكار العامة نتيجة عملية التجريد: إن الفكر يدرك في الموضوعات الخاصة الشكل العام مثلما يدرك بوساطة الألوان رسماً في لوحة.
والاسمية مذهب يؤكد أن الأفكار العامة لا تقابل أية حقيقة  (في الذهن ولا خارج الذهن) وإنما تنحلّ الأفكار إلى إشارات عامة تعرب عنها. وقد أكد كوندياك أن واقع الأفكار المجردة والعامة وهو واقع اسم.  وعلى هذا فإن الحوادث أو التصورات لا تتحلى بصفة الواقع الدالّ إلا بتسميتها مادام من اللازب تمثل هذه الحوادث تمثلاً حسياً في سبيل فهمها.
ويرى غوبلو أن الاسمية مذهب ينكر وجود الأجناس سواء أكان وجودها بذاتها (كما في الواقعية) أم في الذهن (كما ترى التصورية) وأنها ليست سوى أسماء يمكن انطباقها على عدد لا محدد من الموضوعات المختلفة.
ويرى جوليفه Jolivet أن الاسمية مذهب ينطلق من التجربة وينكر الأفكار (الكليات) وينقسم إلى اسمية متطرفة يمثلها هيوم، وهي ترى أن ليس للأفكار واقع ذهني لأنها تنحل إلى صور (وهذه هي النزعة الحسية)، وإلى اسمية معتدلة أو تصورية، وقد قال بها أوكّام، وديكارت، وبركلي، وكَنت، وعندهم أن الأفكار لا تنشأ من التجربة، بل إن لها واقعاً ذهنياً خاصاً لا ينحل إلى الصور.
أما لالاند فإنه يعرّف الاسمية بوصفها مذهباً ينكر وجود الأفكار العامة، ولا يقر إلا بوجود إشارات عامة، ومن أشهر زعمائها روسلان وأوكام وهوبز.
لقد حذا روسلان في مجال الكليات حذو بويس وسمبليقيوس Simplicius القائلين إن مقولات أرسطو والجدل الناجم عنها لا يتناولان الأشياء بل الكلمات من حيث دلالتها على الأشياء. وذهب روسلان إلى أن كل ضروب التمييز الجدلي بين الجنس والنوع والجوهر والصفة، ليست سوى تمييزات لفظية تنشأ من مجرى المقال. «إنما التمييز الوحيد الذي يمكن قبوله في الواقع هو تمييز الجواهر الفردية. وبذا يتجلى مذهبه في قضايا ثلاث هي: إن الجواهر الكلية ليست سوى أصوات، واللون ليس سوى الجسم الملوّن وحكمة الإنسان ليست إلا الإنسان نفسه». وهذا عنده يعني أن من الجائز بالكلام وحده فصل الإنسان عن سقراط، والبياض عن الجسم، والحكمة عن النفس. ولكن الإنسان المقصود هو في الواقع سقراط، والبياض جسم أبيض، والحكمة هي الحكيم نفسه.
ليس ثمة شيء عن روسلان إلا رسالة موجهة إلى أبيلار تلميذه السابق ثم خصمه. وقد نسب إليه هذا الخصم الاعتقاد بأن من باب الاعتساف والمواضعة تقسيم الأشياء بحسب الأصوات والمقولات. وكذلك تقسيم الجسم إلى أجزاء اسمية، بل الأشياء الجزئية المحسوسة هي وحدها الأشياء الواقعية. وكل جسم، مثل البيت، لا يقبل التجزئة. وما القول إن البيت مؤلف في الواقع من أساس وجدران وسقف إلا نظرٌ إلى أحد أجزائه، وليكن السقف، على أنه، في آن واحد، جزء من كل، وشيء مميز ضمن كثرة أشياء ثلاثة.
وقد قاد هذا الرأي إلى نتائج خطيرة في المجال الديني. والمعروف أن مجمع سواسون الكنسي حكم سنة 1092 على روسلان بإنكار رأيه في الثالوث المقدس، ذلك أنه جَرُؤ على تطبيق قول بويس إن الشخص يدل على جوهر عاقل. ولذا فإن في ذات الإله عدداً من الجواهر بعدد الأشخاص (الأقانيم). وهذه عقيدة ثلاثية الإله، فالأب والابن، الوالد والمولود، واقعان متمايزان. والأقانيم الثلاثة ينفصل بعضها عن بعض انفصال ثلاثة ملائكة. وبذا «يمكن القول بثلاثة آلهة لو كان العرف يسمح بذلك». ولكن العرف يأبى هذه التعددية، فسعى روسلان إلى التوفيق بين الإله المثلث والواحد معاً. وأعلن أنها وحدة إرادة ومشيئة. ولكن ذلك لم يمنع أمثال سان أنسلم St. Anselme من أن يأخذ عليه وعلى أضرابه «شدة انخراط الفكر في الصورة الجسمية حتى امتنع الافلات منها» فجاءت الاسمية تهدم كل لاهوت مسيحي لأنها تميز ما لا ينبغي تمييزه.
ويؤكد رسل Russell أن «أهم اسكولائي بعد القديس توما هو وليم الأوكامي (غيوم دو أوكام)». ويذهب مؤرخو الفلسفة إلى أن الفلسفة المدرسية قد تراجعت وانحلت من جراء أمرين أحدهما هو انتصار الاسمية، والآخر ذيوع الصوفية. والحق أن راية هذا النصر إنما حملها أوكام ومدرسته.
إن الحجج التي اعتمدها أوكام لإنكار وجود الكليات ترجع إلى ما عرفه سابقوه في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ومَن قَبلهم إلى مناقشة أرسطو مُثُلَ أفلاطون كما نقلها بويس: إن الكلي الذي يُفرض فيه أنه موجود بذاته سيكون فرداً. وهذا تناقض، وإن طرح الكلي لتفسير الفردي لا يؤلف تفسيراً بل يعني ازدواج الكائنات، وإن عدّ الكلي موجوداً في الأشياء الفردية والتي سيستخرجها العقل بالتجريد هو كذلك بمنزلة جعل الكلي فردياً.
وقد عُرفت اسمية أوكام بأنها حدية terminisme أنجبت صورية رهيفة جعلت المنطق علم الكلمات. وقد منعتها كلية الفنون في جامعة باريس سنة 1339م وسنة 1340م وجُدّد هذا المنع بعد قرن بمرسوم أصدره الملك لويس الحادي عشر سنة 1473م، وفرض على الأساتذة أداء قَسَم يتعهدون فيه باعتماد الواقعية بدل الأوكامية. ولكن اسمية أوكام حظيت بشهرة فائقة وكان لها أكبر الأثر في تاريخ العلم والفلسفة. وذاعت في ألمانية ولاسيما بجهود غابريل بيل G.Biel (ت 1495) وتلاميذه الذين أطلعوا مارتن لوثر على اللاهوت الاسمي وفيه يشبه الإله نوعاً من يهوه العابث بأكثر من شبهه إلهاً تخضع إرادته لقانون النظام والخير كما يتصورهما عقله.

وقد خفّت حدة الصراع المتصل بمعركة الكليات على مرّ القرون. ونشأت في العصر الحديث اسمية حديثة وعلمية ومازال منزعها الواعد الخصيب ملموساً في شتى المجالات.
شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes