Translate

الثلاثاء، 31 مارس، 2015

تقوم كل دولة على العنف


"تقوم كل دولة على العنف"
حلل القولة وأطرها


التقديم:
تتأطر القولة ضمن مجزوءة السياسة وتعالج مفهوم الدولة، وتطرح تحديدا أهمية ومكانة العنف في تأسيس الدولة، ذلك ان التحديد البسيط للدولة يعتبرها أهم جهاز يسهر على تنظيم المجتمع، من حيث اعتبارها مجموعة من المؤسسات السياسية والقانونية والأمنية والإدارية والاقتصادية...، هذا الجهاز ظهر لتنظيم العلاقات بين الأفراد من خلال قانون متفق حوله، يضمن للمواطنين ممارسة حرياتهم. لكن في مقابل ذلك يعتمد على آليات قاسية لتطبيق هذا القانون ترتكز على القوة والإخضاع والعنف. وذلك لزجر كل السلوكات المهددة لاستقرار الجماعة، وهذا يدفعنا إلى طرح إشكالات متعددة من أهمها: ماذا يشكل العنف بالنسبة للدولة...؟ هل يمكن الاستغناء عنه...؟ أم انه يشكل غاية الدولة لبسط إرادتها..؟ هل الدولة تبنى على العنف أم الحق..؟

الاشتغال على المفاهيم:
قبل الغوص في المضمون المعرفي للقولة، ينبغي في البداية الوقوف عند أهم المفاهيم المؤسسة لها حتى يتسنى لنا فهمها، وهكذا نجد مفهوم الدولة، ويمكن التذكير هنا بأن الدولة تنظيم سياسي لجماعة ما على أرض محددة، يهدف لحماية القانون وتأمين النظام، وذلك عبر مجموعة من المؤسسات، وأيضا يمكن القول ان وظيفتها هي تسيير حياة الفرد والمجتمع وضمان اشتغاله بشكل منسجم، ولكي تقوم الدولة بمهامها يجب ان تتوفر على سلطة، أي القدرة على التأثير ولن تتمكن من ذلك إلا باحتكار العنف، وهو المفهوم الثاني المؤثث لهذه القولة، ويمكن تحديده باعتباره كل ممارسة للقوة اتجاه الغير، من اجل فرض سلوك أو موقف دون إرادتهم. وهو يحضر بأشكال متعددة، ويمكن التمييز بين عنف مادي وأخر رمزي، بين عنف فردي وآخر جماعي، بين العنف المشروع وغير المشروع. يوحدها جميعا إلحاق الأذى بالغير ماديا أو معنويا.

توسيع الأطروحة بصيغة التلميذ الخاصة:
وانطلاقا من تحديد المفهومين يمكن القول انه لا يمكن تصور دولة ما بدون عنف، فهو خاصية الدولة الأساسية. فيمكن ان نلاحظ اليوم وفي مختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية وغيرها، خصوصا الدول العربية منها، ان هذه الدول لا تتنافس في شيء أكثر من تنافسها في مضاعفة قوتها وقدرتها على ممارسة العنف أو مواجهته عندما تتعرض له، سواء كان من الأفراد أو الجماعات، ذلك العنف ليس محتملا فقط بل انه متأصل في الأفراد، لهذا على الدولة ان تكون قادرة على زجر كل خروج عن القانون أو أي تهديد خارجي.فالدولة لكي تطبق القانون وتسهر على حماية أمن وسلامة المواطنين تكون ملزمة بمعاقبة المجرمين ومحاربة الغزاة.  

استحضار الفيلسوف المدافع عن الأطروحة:
إن قيام الدولة على أساس العنف أطروحة نجد لها استمرار في موقف ماكس فيبر الذي يؤكد أن العنف هو خاصية الدولة وميزتها الأساسية، ففي نظره كي تمارس الدولة وظائفها واختصاصاتها فإنها تلجأ بالإضافة على الوسائل القانونية إلى العنف المادي الذي تحتكره. أي هي المخولة باستعماله وبتفويض من يستعمله، فالدولة تتأسس على العنف واختفائه هو اختفاء للدولة، ولذلك يرى أنه إذا وجدت تجمعات بشرية لا تعرف العنف، فمعنى ذلك أنه لا يمكن الحديث عن وجود الدولة، كجهاز يحكم هذه التجمعات السياسية. فما سيبقى في حالة اختفاء العنف هو الفوضى بين مختلف مكونات البناء الاجتماعي، نظرا لاختفاء القوة العنيفة القادرة على إزالة هذه الفوضى. هكذا لا توجد الدولة إلا بالعنف ولا تقبل التعريف إلا بالعنف الذي هو وسيلتها الخاصة والعادية لممارسة السلطة.

المناقشة الداخلية:
نستنتج من خلال تحليلنا لمضمون القولة أن العنف يظل الوسيلة الأساسية والمميزة للحفاظ على وجود الدولة وممارسة سلطتها، والسؤال الذي تثيره أطروحة ماكس فيبر هو هل يوجد عنف مشروع..؟ وهل يمكن تبرير استعمال الدولة للعنف إلى حد جعله حق من الحقوق التي تتمتع بها الدولة..؟ فرغم كل ما يمكن تقديمه من تبريرات للعنف الصادر عن الدولة، سواء كانت هذه التبريرات سياسية أو قانونية أو اجتماعية فإن العنف يبقى دائما بدون شرعية لأنه يوجد خارج العقل وأن دولة الحق تتعارض مع دولة العنف. فاحتكار الدولة للعنف وغياب المراقبة على ممارسته يولد الاستبداد والظلم.
فهل يمكن الاكتفاء بهذه الأطروحة كحل لإشكال أساس وجود الدولة..؟ ألا يمكن القول أن دولة الحق والقانون تجعل الحفاظ على الكرامة الإنسانية غاية لوجودها..؟

المناقشة الخارجية:
وبخلاف ذلك نجد جاكلين روس التي تعتبر أن وظيفة الدولة هو الحفاظ على الكرامة الإنسانية، ضد كل أنواع العنف والقوة والتخويف، من خلال تجسيد مبدأ الحق كأحد ملامح دولة الحق والقانون، التي تؤدي إلى ممارسة معقلنة للسلطة، هذا المبدأ الذي يتمثل في احترام الحريات الفردية والجماعية، إضافة إلى القانون أي خضوع الكل لقانون وضعي مبني على أساس أخلاقي، مع إمكانية حمايته من لدن قاض، إلى جانب مبدأ فصل السلط (السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية)، وهي الآلية التي تحمي الدولة من السقوط في يد الاستبداد. إن دولة الحق والقانون ليست صيغة جامدة في نظر روس، وإنما هي عملية بناء وإبداع دائم للحرية.

الختام:

ما يمكن استنتاجه في الأخير هو أن الدولة دائما تعتمد على العنف كآلية ووسيلة لفرض إرادتها على المواطنين، لكن إن كانت هذه الدولة، دولة مستبدة وطاغية، استعمل هذا العنف لقهر المواطنين والمعارضين، وبذلك فهو عنف غير مشروع. لكن وإن كانت دولة ديمقراطية، دولة الحق والقانون، فإن العنف يكون مشروعا إذا سخر لصالح تطبيق القانون، وحماية المواطنين. فإلى أي حد تعمل الدولة اليوم على إحقاق الحق وترسيخ قيم العدالة من أجل محاربة العنف...؟

ردود الأفعال:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Your Social Investment Network