Translate

الأحد، 29 مارس، 2015

نموذج تحليل القولة الفلسفية

"ليست البداهة العقلية هي المعيار المناسب للحقيقة"
أطرها القولة وحللها



نموذج في التقديم:

كأن نقول مثلا :
ينفتح مضمون المقولة على مجزوءة المعرفة، إذ تتناول مفهوم الحقيقة، وبصفة خاصة معيار الحقيقة، ان مفهوم الحقيقة يستعمل عادة كصفة لإضفاء المشروعية على مختلف أحكامنا ومعارفنا وإثبات صلاحيتها، غير أن هذا لا يعني أن كل أحكامنا ومعارفنا دائما صحيحة وصادقة.  وإذا كانت الحقيقة هي مطاقة الفكر لموضوعه فما طبيعة هذا الموضوع الذي يطابق الفكر ويتسم بالبداهة بحيث يكون واضحا بذاته ولا يحتاج إلى برهان..؟ هل هو من طبيعة عقلية خالصة أم أن طبيعة هذا الموضوع حسية تجريبية..؟ أو بمعنى آخر هل البداهة بما تمثله من معاني الوضوح والتميز يمكن اعتبارها معيارا مناسبا للحديث عن الحقيقة أم نحتاج إلى البحث عن معايير أخرى لبناء الحقيقة؟

يجب على التلميذ اولا الاشتغال على المفاهيم المركزية الواردة في القولة:

كأن نقول مثلا :
قبل الغوص في المضمون المعرفي للقولة، ينبغي أولا الوقوف عند أهم المفاهيم المؤسسة لها حتى يتسنى لنا فهمها، وهكذا نجد مفهوم الحقيقة، على المستوى اللغوي تعني الصواب أو الصدق في مقابل الخطأ أو الكذب، وهو ما يحيل على مجالين مختلفين، مجال معرفي منطقي على الخصوص "الصواب – الخطأ"، وهو مجال يمس الإنسان ككائن عاقل بغض النظر عن انتماءاته الفكرية والاجتماعية، ومجال أخلاقي "الصدق – الكذب"، الذي له علاقة بمنظومة القيم التي توجه سلوك الأفراد داخل مجتمع بشري معين. أما على مستوى الفلسفي فلها دلالات متعددة منه أنها مطابقة الفكر لموضوعه كما عبر عن ذلك الفيلسوف مارتن هايدجر، أو أنها مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان كما عبر عن ذلك الفلاسفة المسلمون.
أما مفهوم البداهة الذي يشير لغويا إلى معنى الموضوع والرؤيا، ويشير على المستوى الفلسفي إلى الحقيقة التي تفرض على الفكر بشكل مباشر دون أن تكون هناك ضرورة للبرهنة عليه. وأخيرا مفهوم المعيار، فهو كل ما يقاس به غيره ويستوي وهو المرجع الذي تميز به وتصنف به الأشياء والمفاهيم وبه يحكم على قضية أنها صحيحة أو خاطئة.

يجب على التلميذ ان يعمل على توسيع أطروحة القولة بصيغته الخاصة أو الاشتغال على الأفكار الأساسية الواردة فيها

كأن نقول مثلا :
وانطلاقا من تحديد المفاهيم المركزية في القولة، يمكن القول كجواب على الإشكال المطروح ان مضمون القولة بنفي إمكانية الاطمئنان أو الاعتماد على البداهة العقلية كمعيار لبناء الحقيقة. حيث أن هنالك معارف تنتشر بين عامة الناس، ويمكن أن نجمعها تحت اسم واحد وهو الرأي "المعرفة العامية". وهناك معارف قائمة على البحث عن الحقيقة واستجلاء المسائل والطرق المؤدية إليها "المعرفة العلمية". ويعتقد الإنسان ان الحقيقة تفرض نفسها، وهي تختلف عن الأخطاء والأوهام، فيتعلق بها حتى ولو كانت متداخلة مع اللاحقيقة، وهنا تكمن صعوبة التمييز بين الحقيقي والخطأ، خاصة انه لا يوجد معيار كوني للحقيقة، فالحقائق مختلفة ومتعددة بتعدد المواضيع.

استحضار الفيلسوف المدافع عن الأطروحة:

كأن نقول مثلا :
في هذا الصدد يمكننا استحضار الفلاسفة التجريبيين الانجليز مثل جون لوك ودافيد هيوم، واللذان اعتمدا على التجربة العلمية كمعيار لبناء الحقيقة واعتبرا العقل ومبادئه المنطقية (مبدأ الهوية، مبدأ عدم التناقض، الثالث المرفوع) مجرد تابع للتجربة، فالفكرة الحقيقية في نظرهما لا تكون كذلك إلا إذا جاء حكمها مطابقا للواقع التجريبي مطابقة تامة، فعندما أقول "إن الماء يتبخر بالحرارة" يكون حكمي صادقا، لا بالنظر إلى بعض الاعتبارات المنطقية، بل لان الواقع يؤكد ذلك بالملاحظة الحسية والتجربة. بل إن جون لوك ذهب في كتابه "محاولات في الفهم الإنساني" إلى أبعد من ذلك حين اعتبر العقل صفحة بيضاء ليس فيه شيء قبل التجربة، بل إن جميع أفكارنا مستقاة من التجربة التي وحدها تنقش في عقلنا المبادئ والأفكار البسيطة منها والمركبة، فالبداهة المطلوبة هنا حسب لوك هي بداهة الحواس وليست بداهة الأفكار الواضحة والمتميزة كما يدعي ديكارت، فلكي أحكم على طعام انه حلو أو مر ويكون حكمي صادقا فما علي إلا أن استعمل حاسة الذوق، ويمكن القياس على ذلك بخصوص جميع الحواس ،فالحقيقة مقرونة بما تمدنا به انطباعاتنا الحسية.

يجب على التلميذ ان يحاول مناقشة الأطروحة داخليا:

كأن نقول مثلا :
نخلص من خلال تحليل مضمون القولة إن الحقيقة لا ترتكز على البداهة العقلية ووضوح الأفكار، قدر ما ترتكز على بداهة الحواس ومطابقة الفكر للواقع. فلا وجود لأفكار أولية وفطرية في العقل كأساس للحقيقة، وإنما الحقيقة تنبع أساسا من التجربة، عبر تحويل الانطباعات الحسية إلى أفكار بسيطة ثم التركيب والتأليف فيما بينهما لإنتاج أفكار جديدة. لكن هل يمكن اعتبار هذا الموقف نهائيا ومطلقا يحدد حقيقة معيار الحقيقة..؟ ألا يمكن أن تكون البداهة العقلية أساسا ومعيارا للحقيقة..؟

استحضار الفيلسوف او الفلاسفة المعارضين لصاحب الاطروحة المركزية:
لقد شكل الموقف الذي عبرت عنه القولة منطلقا للثورة العلمية والصناعية خلال القرن السابع عشر من خلال إعطاء أهمية بالغة للتجربة العلمية والتي أسس لها قبل ذلك الفيلسوف الانجليزي فرنسيس بيكون حين حدد أسس المنهج التجريبي وخطواته. لكن أهمية القولة لا يعني بالضرورة أن الموقف العقلاني الديكارتي الذي يعطي أهمية كبرى للبداهة العقلية موقف ضعيف، ففي كتابه "مقال في المنهج" تحدث ديكارت حول مفهوم البداهة وعلاقتها بمعيار الحقيقة، معتمدا على منهج عقلي سماه الشك المنهجي والذي اعتبره مجرد عتبة انطلاق للوصول إلى الحقيقة، فهو شك مؤقت يمكننا من امتحان معارفنا وقوانا العارفة. وهكذا ذهب الشك بديكارت إلى وضع العالم الخارجي والحقائق الرياضية والمعارف الفلسفية التي تلقاها سابقا موضع تساؤل، لكنه وهو يمارس عملية الشك، انتبه إلى أن الشك هو في حقيقته تفكير. يقول بهذا الصدد:"أنا أفكر، إذن أنا موجود" فتفكيري هو دليل وجودي، وهذه حقيقة بديهية واضحة لا لبس فيها ولا غموض.

وقد حاول ايمانويل كانط بناء موقف وسط بين هذه المواقف في كتابه "نقد العقل الخالص" وحاول بناء والبحث عن معيار كوني للحقيقة، فجعل البداهة تشمل كل من العقل والتجربة، فانتقد ديكارت لإهماله دور التجربة في بناء الحقيقة، ذلك أن التجربة الحسية واقعية لا يجوز الشك فيها وهي موضوع إدراك حسي" بديهي"، فهي إذن مادة المعرفة، إلا أن هذه التجربة تبقى عمياء غامضة، لولا العقل الذي يتضمن الشروط أو المبادئ الضرورية التي تجعل من التجربة مادة معقولة، ويسميها كانط"مقولات". وهكذا نرى كانط قد جمع بين التجربة والعقل من خلال قولته المشهورة: "المفاهيم العقلية دون حدوس حسية قوالب جوفاء، والحدوس الحسية دون مفاهيم عقلية تظل عمياء." وهكذا تكتسي البداهة مع كانط طابعا خاصا، فلا هي عقلية ولا هي تجريبية، وإنما هي مركبة منهما معا.

الختام:

كأن نقول مثلا :
نخلص من خلال تحليل ومناقشة مضمون القولة أن هناك تباينا في المواقف بخصوص المعيار الذي يمكن الاطمئنان إليه لتأسيس الحقيقة والتعرف عليها فمن قائل بوجود بداهة تتأسس على ما هو تجريبي محض يستند إلى الواقع كأساس ومعيار للحقيقة ،ومن قائل بوجود بداهة عقلية محضة خالصة تحمل معايير صدقها في ذاتها ولا تحتاج إلى برهان من غيرها، إلى جانب قول ثالث حاول التوفيق ين الاتجاهين، فاعتبر البداهة عقلية وحسية في نفس الوقت. إن هذا التضارب في المواقف حول معيار بناء الحقيقة، يجعل مفهوم الحقيقة في حد ذاته موضع تساؤل، فإذا كنا لا نتفق على معيار أو معايير الحقيقة، فان السؤال حول وجود هذه الأخيرة يصبح مشروعا، وهذا يجعلنا ننفتح حول موقف الفيلسوف الألماني فريدريك نتشه الذي يعتبر أن ما يحسبه الناس حقيقة ليس إلا مجموعة من الأوهام سرعان ما ينكشف زيفها.

ردود الأفعال:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Your Social Investment Network