مشروعية الدولة وغايتها

مفهوم الدولة

لا يستطيع الإنسان العيش بدون جهاز الدولة، وبالإمكان تعريف الدولة تعريفا أوليا، بأنها مجموعة من المؤسسات السياسية والقانونية والعسكرية والإدارية والاقتصادية، والتي تنظم حياة الفرد والمجتمع داخل مجال ترابي محدّد. ويتفق المختصون في شؤونها على انه من الضروري أن يتوفر شرطان لكي تقوم الدولة وتمارس سلطتها في تراب معين، الشرط الأول، هو استمرار السلطة، فالدولة لا تقوم إلا عندما تصبح السلطة مؤسساتية وقانونية، فهي سلطة دائمة لا تحتمل الفراغ. والشرط الثاني هو ارتباطها بمقولة الشأن العام، فهي ليست ملكية خاصة، إنها منفتحة على المجال العمومي والذي هو مجال مشترك بين أفراد المجتمع. 




1.     المحور الأول: مشروعية الدولة وغايتها
إن الحديث عن مشروعية الدولة وغايتها، يجرنا في البداية إلى التمييز بين مفهومين أساسيين: أولهما هو مفهوم مشروع (Légitime) الذي يشير إلى الحالة التي تكون فيها الحقوق الإنسانية الأساسية (الحقوق الكونية) هي المحدد الأول للعلاقات الاجتماعية والسياسية والأساس الذي تقوم عليه الدساتير والقوانين. وثانيها مفهوم شرعي (Légal) الذي يشير إلى الحالة التي تخضع فيها العلاقات الاجتماعية والسياسية لقوانين الدولة (القانون الوضعي)، كما تخضع الدولة بدورها للقانون الدولي أو الشرعية الدولية. وبالتالي تشير مشروعية الدولة إلى مجموع التبريرات والدعائم التي ترتكز عليها الدولة من أجل ممارسة سلطتها على مواطنيها. هكذا فكل دولة تستند إلى مشروعية ما، وانطلاقا من هذه المشروعية يتم اختيار غايات من وجودها، إذ يصعب الفصل هنا بين المشروعية والغايات فيما يخص مسألة الدولة.

إشكال المحور:

من أين تستمد الدولة مشروعيتها...؟ وما هي الغاية التي تروم تحقيقها...؟

موقف أرسطو
إن نشوء الدولة حسب أرسطو، يعود إلى الاستعداد الطبيعي للإنسان من أجل الاندماج في الحياة المدينة أو الاجتماعية، والتعايش مع بعضه البعض، إذ أن الإنسان "مدني بالطبع"، ولا يستطيع العيش خارج الحياة الاجتماعية، ومن لا يتسم بهذا الميل يعتبر إما من فصيلة أسمى من البشر أو أحط درجة في سلم البشرية. والإنسان يتميز عن غيره من الحيوانات بمجموعة من الإمكانات والقدرات الطبيعية التي يتوفر عليها، فهو يستطيع النطق (الكلام)، بوصفه القدرة التي تمكنه من التمييز بين الخير والشر، وبين العدل والظلم، بينما الصوت عند الحيوان لا تعدو وظيفته مجرد التعبير عن الألم واللذة، وبناء على هذه المؤهلات تمكن الإنسان من تبادل المعارف وإنشاء الأسرة والدولة، مرتقيا بذلك من مستوى الحيوانية إلى عالم الإنسانية.
وبالتالي كانت غاية الدولة الأساسية، هي تأمين الخير والسعادة لسائر الأفراد، وتحقيق اكتمالهم في الاجتماع المدني، الذي يضمن حياة فاضلة يسود فيها الخير والعدل والمساواة، وتميزهم عن باقي الحيوانات.

موقف اسبينوزا: غاية الدولة الحرية والأمن
إن الغاية التي تأسست من أجلها الدولة، ليست فرض السيادة والنفوذ أو إرهاب الناس، وإنما الغاية الحقيقة هي الحرية، وذلك بتحرير الفرد من كل مظاهر الخوف، وتمكينه بالتالي من ممارسة حقه الطبيعي في الحياة والعمل دون أن يلحق أضرارا بالغير. فالغاية هنا، ليست تشييء الإنسان وسلبه حريته، بل تحقيق الشروط المواتية ليستخدم عقله استخداما حرا. وهذه الحرية ليست بمعناها المطلق واللامحدود والموحش، بل هي الحرية الأخلاقية التي لا تتعارض مع قوانين العقل والأخلاق.
ومشروعية الدولة هنا مستمدة من الإرادة الجماعية للناس، عن طريق تنظيم تعاقد وتعاهد بينهم، يقتضي تنازل الفرد عن حقه في أن يسلك كما يشاء. ومقابل هذا التنازل يتمتع الفرد بحرية كاملة في التعبير عن آرائه وأفكاره، ما دام لم يقم بأي فعل من شأنه إلحاق الضرر بالدولة.
إذن فالغاية الحقيقية من قيام الدولة هي حرية التفكير، وضمان الأمن للأفراد، ومن يسلك ضد مشيئة السلطة العليا يلحق الضرر بالدولة.

موقف كارل ماكس
الدولة في التعريف الماركسي، وسيلة في أيدي النخبة السياسية من أجل تحقيق مصالحها الخاصة، على حساب بقية أفراد الشعب. وبالتالي فالدولة في هذا الإطار ليست محايدة، ولكن تقف إلى جانب طبقة معينة من طبقات المجتمع على حساب بقية الطبقات أو الأفراد، لذا فهي دولة تابعة وليست مستقلة عن رغبات الأفراد والجماعات. ومن هنا فهي غير متوازنة وغير موضوعية، وبالتالي وجودها يؤدى إلى وجود صراعات طبقية. والدولة لا تستمد مشروعيتها إلا من خلال الصراع الطبقي، صراع بين طبقة بورجوازية مالكة لوسائل الإنتاج، وطبقة عاملة تُشغل وسائل الإنتاج.

من هنا يمكننا القول على أن الدولة وسيلة، تستعملها الطبقة البورجوازية، من أجل الحفاظ على مصالحها، وحماية امتيازاتها، وضمان تواجدها كطبقة مهيمنة. فالدولة في نظر كارل ماركس تستمد مشروعيتها من الطبقة البورجوازية، وغايتها هي إضفاء الشرعية القانونية على المجتمع الطبقي وتسيير وتنظيم مصالح الطبقة البورجوازية المستغلَة.
شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes