مفهوم الجماعة ومفهوم المجتمع





لعل ابرز المشكلات التي تواجه أي باحثٍ سوسيولوجي أو انثروبولوجي، هو صعوبة إيجاد تعريف جامع مانع للمفهوم الواحد. واذا ما تفحصنا مفهومات علم الاجتماع والانثروبولوجيا، تتوضح صعوبة الفصل بين التعريف الانثروبولوجي للمفهوم والتعريف السوسيولوجي له ، فيقع الباحث في مأزق ويجد نفسه ملزماً لتضمين التعريفات السوسيولوجية والتعريفات الانثروبولوجية للمفهوم الواحد في دراسته، وقد يبدو الامر غريباً الى حدٍ ما، اذا ما نظرنا الى علم الاجتماع والانثروبولوجيا كعلمين متقاربين من حيث الهدف والمنهج والنظرية. الا ان ذلك لا يلغي الاختلاف طبعاً في نفس هذه الجزئيات او غيرها. وتزداد صعوبة تحديد المفهومات اكثر إذا ما وجدنا ان هناك مفهومات متقاربة دلالياً. مثل المفهوم السوسيولوجي للمجتمع والمفهوم الانثروبولوجي للبناء الاجتماعي. او مثلا مفهوم الجماعة ومفهوم المجتمع المحلي ومفهوم المجتمع. لنحاول ان نطرح المفهومات الاخيرة لنرى ما فيها من تشابهات واختلافات.


المجتمع Society
غالباً ما يشير المفهوم السوسيولوجي للمجتمع الى المجتمعات الكبيرة ذات الطابع التنظيمي العالي. وقد يقترب المفهوم السوسيولوجي للمجتمع من مفهوم المجتمع الحضري. اذا ما عرفنا ان المفهوم السوسيولوجي للمجتمع هو (المجتمع عبارة عن مجموعة من الافراد تسكن في بقعة جغرافية واحدة وتشترك في خصائص معينة).
وتشير موسوعة علم الانسان إلى إن المجتمع بصورةٍ عامة يشير الى جماعة بشرية كبيرة العدد نسبياً، ومستقلة نسبياً ولدى افرادها القدرة على الاستمرار من الوجهة السكانية.كما يتسم بقدر مكن الاستقلالية في تنظيم العلاقات الاجتماعية (1). في حين يشير مفهوم المجتمع الحضري الى مجموعة من الافراد تقطن في البيئة الحضرية (المدينة)، وتتسم بإسلوب حياة معين يتجاوب مع خصائص المدينة وظروفها وطريقة تحوّلها (2).

في حين يشير المجتمع المحلي Local society إلى " جماعة " من الاشخاص تتوحّد من خلال المصالح المشتركة (3). معنى ذلك إن مفهوم المجتمع المحلي يترادف مع مفهوم الجماعة، أو هو نفسه لكنه يستخدم في كل موضع بالطريقة التي يراها الباحثون بأنها الانسب.
وفي كثير من الاحيان تترجم كلمة COMMUNITY الى مجتمع محلي. وتشير الكلمة الانجليزية COMMUNITY، غالباً الى المجتمع الصغير، الذي غالباً ما يكون جزء من المجتمع الكبير، حيث يشكّل المجتمع المحلي بوجوده ثقافة شعبية محلية تعمل داخل المنظومة الثقافية الاكبر. كذلك فإن كلمة COMMUNITY كثيراً ما تشير الى " الجالية "، التي هي مجموعة من الافراد المهاجرين عن بلدهم الاصلي ويقيمون في بقعةٍ جغرافيّة " بلد ما " متقاربة. والمجتمع المحلي أقرب ما يكون عبارة عن جماعة إجتماعية تشترك في خصائص معينة، كأن تكون خصائص ثقافية أو اقتصاديّة. الى ذلك اشار العالم فرديناند تونيز الى الاختلاف العميق بين الجماعة المشتركة والمجتمع. فالمجتمع يتميز بوجود بنية إجتماعية. مثل السلطة والحكومة والاحزاب.
ويعرّف روبرت ماكيفر Robert Maciver المجتمع المحلي بأنه وحدةٌ اجتماعية تجمع بين أعضاءها مجموعة من المصالح المشتركة، وتسود بينهم قيم عامة وشعور بالانتماء، بالدرجة التي تمكنهم من المشاركة في الظروف الأساسية لحياة مشتركة. في حين نجد إن تعريف روبرت بارك للمجتمع المحلي نابع من رؤية مكانية حضرية حيث يقول: أن المجتمع المحلي في أوسع معاني المفهوم يشير إلى دلالات وارتباطات مكانية جغرافية، وأن المدن الصغرى والكبرى والقرى بل والعالم بأسره تعتبر كلها رغم ما بينها من الاختلافات في الثقافة والتنظيم والمصالح.. الخ، مجتمعات محلية في المقام الأول. أما لويس ويرث Louis Wirth فهو يرى أن المجتمع المحلي يتميز بما له من أساس مكاني إقليمي يتوزع من خلالهِ الأفراد والجماعات والأنشطة، وبما يسوده من معيشة مشتركة تقوم على أساس الاعتماد المتبادل بين الأفراد، وبخاصة في مجال تبادل المصلحة (4).
وتشير موسوعة علم الانسان الى نقطةٍ أساسية، حيث تُقر إن المعنى السوسيولوجي و الانثروبولوجي الاكثر تحديداً لمفهوم المجتمع المحلي يقتصر على معنى المجتمع المحلي مكانياً. وهو بشكل عام نطاق محدود الى حدٍ ما (5). هذا وأشارت موسوعة علم الانسان الى انماطٍ مختلفة من المجتمعات مثل المجتمع التعددي والمجتمع والمجتمع البسيط والمجتمع الغربي والمجتمع المدني والمجتمع المحلي المغلق والمجتمع المركّب (6).
وتشير موسوعة علم الاجتماع، إلى إن المجتمع المحلي هو جماعة من الناس تقطن على بقعةٍ جغرافيّة معينة وتزاول نشاطات اقتصادية وسياسية ذات مصلحة مشتركة ولها تنظيم اداري يحدد طبيعة حكمها (7).
ويتطابق المفهوم الانثروبولوجي للجماعةgroup مع المفهوم السوسيولوجي للمجتمع المحلي، اذ ان مفهوم الجماعة انثروبولوجياً هو مجموعة من الافراد، يربطهم رباط عام ثابث من العلائق الاجتماعية. ويمتازون عن غيرهم من الجماعات بطراز سلوكي جمعي خاص بهم، وبوجود درجة من التكامل الاجتماعي والاتصال المباشر، والالفة، وقدر من الشعور بالمصالح المشتركة بينهم واحساس بروح الجماعة (8).
اما المفهوم الانثروبولوجي للمجتمع Society فإنه يُعرّف كما ورد في قاموس الانثروبولوجيا بأنه : مجموعة من الاشخاص، تعيش وتعمل سوية لفترة من الزمن تكفي لخلق تنظيم خاص بها (9). أما مفهوم البناء الاجتماعي أنثروبولوجياًّ فإنه - كما عرّفهُ راد كلف براون بأنه شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط أفراد مجموعة معينة في وقتٍ معيّن. فهل توجد علاقات اجتماعية بدون اشخاص ؟ بالتأكيد لا. اذ ان مفهوم البناء الاجتماعي يشير ضمناً الى وجود مجموعة من الافراد يشكّلون بمجموعهم " مجتمع ما" .




ملاحظات واستنتاجات
1- ثمة ملاحظات يمكن ان نستشفها من خلال قراءتنا لهذه التعريفات، حيث هناك تقارب واضح بين جميع المفهومات التي ذكرت، ما يعني ان هذه المفهومات بحاجة الى اعادة صياغة توصيفاتها حسب ما يقتضيه الواقع الاجتماعي. لايجاد فوارق ترسم حدود المفهوم الواحد أكثر وضوحاً لمنع حدوث ايّ التباس مفاهيمي.
2- لاحظنا ان المفهوم السوسيولوجي للمجتمع يقترب أو يتداخل مع المفهوم الانثروبولوجي للبناء الاجتماعي.
3- لاحظنا ان المفهوم السوسيولوجي للمجتمع المحلي يقترب ويتداخل مع المفهوم الانثروبولوجي للجماعة الاجتماعية.
4- ترتبط مفهومات " المجتمع – المجتمع المحلي أو الجماعة – المجتمع الحضري " بمفهوم الثقافة culture اذ لا وجود لمجتمع بدون ثقافة. ثم ان المعيار الذي نحدّد وفقه مفهومات مثل: المجتمع – المجتمع المحلي – هو الثقافة. اذ ان كل مجتمع يكتسب خصائصه من ثقافته. فالمجتمع المحلي يكتسب محليته من ثقافتهِ المميزة له.
5- هناك مستوى مكاني يحدد طبيعة المجتمع، وهناك مستوى اجتماعي " يتمثل بالافراد " يُحدّد طبيعة الثقافة.
6- المجتمع يمارس قسرية على الافراد، من حيث ضبط وتوجيه سلوكهم الاجتماعي، وكذلك الجماعة الإجتماعية. إلا ان الفرد بإمكانهِ أن يخرج عن جماعتهِ الاجتماعية لينتقل الى جماعةٍ أخرى أو مجتمع آخر. إذن ممكن ان نجد فرد خارج جماعة اجتماعية. لكن لا يمكن ان نجد فرد خارج المجتمع !!
7- الجماعة جزء من المجتمع، خصوصاً في المجتمعات التقليدية التي نستطيع ان نرصد من خلالها الجماعات الاجتماعية. في حين تبدو عملية الرصد أكثر صعوبة في المجتمعات الاوروبية التي تنصهر فيها الجماعات داخل المجتمع الكبير.
8- تربط الفرد – خصوصاً في المجتمعات التقليدية – وشائج بجماعتهِ الاجتماعية أقوى مما يرتبط بنفس الوشائج بالنسبة للمجتمع الكبير.
9- يتقرب مفهوم المجتمع من طبيعة الحياة " الحضرية " بينما يقترب مفهوم الجماعة من طبيعة الحياة " التقليدية ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• إبراهيم الساعدي
باحث في الانثروبولوجيا

- المراجع
(1)- شارلوت سيمور – سمث، موسوعة علم الانسان، ترجمة علياء شكري و أخرون، الهيئة العامة لشؤون المطابع الاميرية، بدون مكان طبع، 1998، ص611
(2) إحسان محمد الحسن، موسوعة علم الاجتماع، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ط1، 1999، ص 555
(3) شارلوت سيمور - سمث، مصدر سابق، ص 613
(4)- قندوز الغول إلياس ، مقال منشور على الرابط التالي :http://algerianexpert.maktoobblog.com/
(5) شارلوت سيمور- سمث، مصدر سابق، ص 613-614
(6) نفس المصدر، من ص 611 الى ص 615
(7) إحسان محمد الحسن، مصدر سابق، ص553
(8) شاكر مصطفى سليم، قاموس الانثروبولوجيا، جامعة الكويت، الكويت، ط1، 1981 ، ص 898
(9) نفس المصدر، ص 903
شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes