نموذج تحليل السؤال الفلسفي

نموذج منهجية الكتابة في السؤال الفلسفي

مثلا سنحاول معالجة السؤال المفتوح التالي:
هل يشكل التجريب أساس المعرفة ومنطلقها..؟


بناء على طلب لمجموعة من التلاميذ، سنعمل على تقديم نموذج لمنهجية في الإنشاء الفلسفي لمقترح سؤال مفتوح، كما يمكن الاستئناس بالملف المرفق لتتبع الخطوات اللازم إتباعها في الكتابة الإنشائية.
عموما المنهجية في إطارها العام تتشكل من الخطوات التالية: مقدمة.عرض.خاتمة.


بالنسبة للمقدمة 
يستحسن أن تكون من إبداع المتعلم باعتبارها تمهيد ينتهي بإشكال، وفي حال تعذر كتابة تمهيد جيد يمكن اللجوء إلى
المقدمة التي ترد في عناصر الإجابة في الامتحان الوطني والتي تستلزم الوقوف عند ما يلي:
1-  تحديد المجزوءة. 2- تحديد المفهوم. 3- تحديد الإطار العام للموضوع. 4- استخراج الإشكال.
تـنـبـيــــــــــــــه: هناك الكثير ممن يعتبرون أن إخفاق التلميذ في استخراج الإشكال الصحيح والسليم هو إخفاق في الإنشاء ككل، لذلك فهو الشرط الأساس في التمهيد والعمود الفقري للإنشاء وبدونه لا يستقيم.


مثلا سنحاول معالجة السؤال المفتوح التالي:
هل يشكل التجريب أساس المعرفة ومنطلقها..؟


لكتابة مقدمة نقول على سبيل المثال:
"المقدمة الكلاسيكية"
السؤال الذي نحن بصدد معالجته ينتمي إلى مجزوءة المعرفية وبالتحديد ضمن مفهومي النظرية والتجريب، حيث يعالج مسألة التجريب ودوره في بناء المعرفة العلمية، والتي يمكن التعبير عنها من خلال الإشكال التالي:هل بناء المعرفة العلمية يتم عبر التجريب العلمي أم عبر التجربة بصفة عامة؟
بالنسبة للعرض:
العرض يتشكل من التحليل والمناقشة.
تـنـبـيــــــــــــــه: لا يجوز تقدم المناقشة على التحليل، بل المناقشة في أصلها مناقشة لِما تم تحليله وتفكيكه وتبسيطه.
بالنسبة للسؤال الذي نحن بصدده مثلا يمكن تحليله كالتالي: 
ينبغي أولا التأمل في المفاهيم الواردة في السؤال والمضمون ( الهدف) الذي يسعى بلوغه، وهذه المفاهيم هي: التجريب، الأساس والمنطلق، المعرفة. والمضمون الذي يبحث عنه السؤال هو: أساس ومنطلق المعرفة العلمية هو التجريب وليس التجربة

لتحليل ذلك نقول:
للحديث عن التجريب يقتضي الوقوف أولا عند مفهوم التجربة باعتبارها مجموع التعلمات والخبرات التي يكتسبها الفرد من الحياة، والتجربة تتميز غالبا بالعمومية وما تحققه من منفعة ومصلحة، وهي تقوم على الملاحظة العامة غير الدقيقة والعفوية التي تعتبر عائقا أمام العالم، لذلك لا يمكن قيام معرفة علمية عبر التجربة في مفهومها العام هذا، إنها تجربة عشوائية بسيطة غير مبنية بناء منهجيا محكما.أما لفظ التجريب، فيقوم على البناء المحكم القائم على قواعد وقوانين ومناهج تتيح للعالم إعادة بناء ظاهرة فيزيائية مثلا وفق شروط محددة يصنعها العالم داخل المختبر، وبهذا لا يمكن للعالم بناء نظريته العلمية بشكل عشوائي من دون التقيد بالقواعد والقوانين التي تقوده لمراقبة الظاهرة الفيزيائية بشكل دقيق وإعادة بنائها بشكل محكم، لهذا فالمعرفة العلمية الرزينة لا يمكنها أن تعتمد على التجربة البسيطة وإنما على التجريب العلمي المحكم لأن التجربة العلمية هي منطلق النظرية ومنتهاها. نكون هنا قد توقفنا على تحليل السؤال وحسمنا في أن التجربة العلمية تقود إلى بناء المعرفة العلمية

ويلزمنا هنا مناقشة هذا التحليل.
المناقشة:
إن نشأة المعرفة العلمية لا يمكنها أن تقوم بدون تجريب علمي محكم قائم على قواعد وقوانين ومنهجية، وهو الأمر الذي جعل من كلود برنار مثلا يعتبر أن العالم لابد وان ينطلق من ملاحظة ظاهرة أو حادثة فيزيائية معينة ليضع فكرة أو افتراضا هو بمثابة تفسير مؤقت لهذه الظاهرة يستلزم إخضاعه لاختبار تجريبي من خلال توفير شروط إعادة بناء الظاهرة الطبيعية داخل المختبر لينتقل إلى استنتاج القانون العلمي الذي يلزم تعميمه على جميع الظواهر المشابهة للظاهرة المدروسة، لهذا يقول كلود برنار في هذا الصدد" إن الحادث (الظاهرة) يوحي بالفكرة والفكرة تقود إلى التجربة، والتجربة تختبر الفكرة"هنا نلاحظ أن التجريب التجريبي حسب كلود برنار يقوم على منهج علمي تجريبي يعتمده العالم لبناء النظرية العلمية وهو خطوات أساسية تتمثل في: الملاحظة والفكرة والتجريب والقانون.
لكن ليس التجريب التجريبي هو الشكل الوحيد الذي يمكن اعتماده في بناء المعرفة العلمية، فمثلا روني طوم يوجه انتقاده للمنهج التجريبي الكلاسيكي في صورته التي توقفنا عندها مع كلود برنار، مما يعني أن التجربة العلمية ليست معيار ومقياس صدق أو بطلان الفرضيات، لكن يمكن الاعتماد على العقل في بناء المعرفة العلمية خصوصا في الفيزياء المعاصرة، حيث بات للعقل دور مهم وبارز في تأسيس النظريات العلمية التي كانت محسوبة سابقا على التجربة، فالتجريب العلمي في معناه التقليدي ليس حسب روني طوم المقوم الوحيد في تفسير الظواهر، بل لابد من اعتبار عنصر الخيال و إدماجه في عملية التجريب. إن الخيال هو تجربة ذهنية تمنح للواقع غنى خصوصا وأننا أصبحنا أمام ظواهر طبيعية لا يمكن التجريب عليها مختبريا لعدم قدرتنا على رؤيتها وملاحظتها بالعين المجردة كما هو الأمر لعناصر الدرة (الايونات والبروتونات الالكترونات...) أو الظواهر المايكروسكوبية في علم الفلك مثلا. بل صار من اللازم التجريب عليها في الذهن عبر عنصر الخيال. فمن الخطأ الاعتقاد أن التجربة مجرد ملاحظة للواقع، وأن النظرية تأمل ذهني خالص، فالمفاهيم والمبادئ المكونة للأنساق العلمية هي كيانات يبدعها العقل البشري، وتشكل الجزء الأساسي في النظرية، لذلك يمكن القول إن العقلانية العلمية هي عقلانية مبدعة تبتكر مفاهيمها وأدواتها من العقل الرياضي، ومن ثمة يكون المعطيات التجريبية تابعة للعقل.
لكن هناك تصورات أخرى حاولت انتقاد هذا الانغلاق في صنع المعرفة العلمية عبر التجريب التجريبي أو عبر البناءات العقيلة، لذلك قالت بضرورة التوليف والجمع بين التجربة والعقل، فالعقل لا يجوز أن يكتفي بذاته في انعزال عن الواقع. ولا يجوز للواقع أن يتجرد من العقل، فالعقلانية العلمية هي عقلانية مطبقة، تجمع بين العقل والتجربة في صناعة المعرفة العلمية المعاصرة، إذ لا يمكننا فهم عمل العلم وإدراك قيمته الفلسفية إلا في ضوء فهم العلاقة الجدلية بين العقل والواقع. ففي عالم تتصارع فيه النظريات، يحاول العالم أن يبني نظريته بين نظريات علمية أخرى، لذلك تلتجئ النظرية إلى الفروض الإضافية والاختبارات المتكررة لتحافظ من جهة على تماسكها المنطقي الداخلي، ولكي تخرج أيضا من عزلتها بانفتاحها على فروض نظرية جديدة. وهو ما أثاره كل من باشلار وروبير تويليي.

الخاتمة:
في الغالب الخاتمة تكون تركيبا لكل ما تم الوقوف عنده في التحليل والمناقشة. مثلا نقول 
إن التجريب هو عبارة عن خطاطة نظرية مثلى، إذا اشتغل العالم بمقتضاها، فإنه يتوصل إلى معرفة القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية. لكن هذا المجهود الذي يقوم به العالم لتفسير الظواهر لا يبقى سجين خطوات المنهج التجريبي في صورته الكلاسيكية، بل يمكن أن يكون مجهودا عقليا يعتمد على إبداع كيانات خيالية يستطيع العالم التأكد منها في ذهنه و ليس دائما في الواقع، غير أن المعرفة العلمية المعاصرة نَفَت هذا الانغلاق وباتت توليفا وتركيبا وجمعا بين العقل والتجربة في صنع النظرية العلمية المعاصرة.



أتمنى أن أكون قد نقلت بعض ما ينبغي اعتماده في الإنشاء الفلسفي من خلال هذا المثال، في انتظار أمثلة أخرى في القادم من الأيام.
شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes