Translate

الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

محطات في تطور الفلسفة

المحور الثاني: محطات في تطور الفلسفة

الإشكال المحوري
هل تعد الفلسفة اليونانية هي الشكل الوحيد الذي عرفه تاريخ الفكر الفلسفي الإنساني، أم هناك أشكال فلسفية أخرى...؟
أليس للحضارة الإسلامية والحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة انتاجات فلسفية، مثلت محطات أساسية في تطور الفكر الفلسفي..؟

تقديم عام
أشرنا في المحور السابق إلى صعوبة تحديد تعريف عام للفلسفة، وذلك لأنه لا وجود لفلسفة واحدة، بل هناك عدة فلسفات متعددة بتعدد فلاسفتها، وهذا يعني أننا لا ندرس الفلسفة كما ندرس أي علم من العلوم، بل إنما ندرس فلسفات الفلاسفة، أي أفكار ونظريات رجال عاشوا عبر التاريخ، وهذا معناه أننا لا ندرس الفلسفة بل تاريخها. فالفلسفة لم تعرف مسارا أو اتجاها واحدا، ولكنها عرفت مسارات واتجاهات متباينة، فكان تاريخها هو تاريخ التعدد والتنوع والاختلاف، وهذا المظهر لا يظهر بين فلسفة وأخرى، بل يظهر داخل الفلسفة الواحدة.
1.   فما هي المحطات الأساسية أو اللحظات الكبرى في تاريخ تطور الفلسفة...؟
2.   وما هي الخصائص الكبرى التي ميزت مختلف محطاته...؟
3- ومن هم أبرز فلاسفة كل محطة...؟
---------------------------------------------
الفلسفة الغربية، فقد انقسم تاريخها إلى أربعة مراحل: القديمة والوسطى والحديثة والمعاصرة. وتمتد مرحلة الفلسفة القديمة من القرن السابع عشر.ق.م إلى القرن الخامس الميلادي. وتمتد مرحلة الفلسفة الوسطى من القرن الخامس إلى القرن السابع عشر، أما الفلسفة الحديثة، فتمتد حتى القرن التاسع عشر، وأخيرا الفلسفة المعاصرة تمتد من القرن العشرين إلى العصر الحالي.

الفلسفة الطبيعية القديمة  "نشأت الفلسفة اليونانية في القرن 6 ق.م."
تبلورت الفلسفة اليونانية في شكلها الأول مع الحكماء الطبيعيون وهم طاليس وألكسمندرس وهراقليطس... وكان أهم ما يميز فكر هؤلاء الطبيعيون هو وحدة إشكالاتهم والطريقة والمنهجية التي اعتمدوها للجواب على هذه الإشكاليات. 
فقد كان السؤال ذو طبيعة واحدة تتعلق "بمبدأ الكون وأصله وكيفية تكونه". وهذا السؤال يكشف عن قدرة الإنسان اليوناني على الملاحظة والتأمل والشمولية في تفكيره، وأعظم الفلاسفة من العهد القديم كانوا ثلاثة من اليونانيين في القرن الخامس والرابع قبل الميلاد وهم سقراط وأفلاطون وأرسطو، حيث أثرت فلسفتهم في الثقافة الغربية المتأخرة.

الفلسفة في العصور الوسطى "الفلسفة الغربية"
تميزت بتداخلها مع الدين النصراني واشتباك قضاياها بقضاياه، وهكذا لم يبق للفلسفة اليونانية والرومانية من آثار سوى ما تركته من أثر على الفكر الديني، ويعد "القديس أوغسطين" أشهر فلاسفة العصور العصور الوسطى.
إلى جانب ذلك ظهرت الفلسفة المدرسية بين القرن 12 والقرن 15، نتيجة ترجمة أعمال أرسطو إلى اللاتينية التي هي لغة الكنيسة النصرانية آنذاك، عملت على التوفيق بين أفكار أرسطو الرئيسية والتوراة والعقيدة النصرانية، ويعد "القديس توما الاكويني" أشهر المدرسيين، حيث اجتمع في فلسفته فكر أرسطو والفكر اللاهوتي حتى أنها أصبحت هي الفلسفة الرسمية الرومانية الكاثوليكية.

الفلسفة في العصور الحديثة "ارتباط الفلسفة الأوروبية بالعلم في القرن 17م."
ظهرت هذه الفلسفة كنتيجة لحركة ثقافية كبرى "عصر النهضة"، وأيضا للتقدم الكبير خاصة في مجال الفلك والفيزياء والرياضيات، وأيضا لظهور النزعة الإنسية التي أعادت الاعتبار إلى الإنسان ومجدته، ويعد "فرانسيس بيكون" الإنجليزي من أوائل الفلاسفة المؤيدين للمنهج التجريبي العلمي وإلى جانبه "رينيه ديكارت" الفرنسي مؤسس الفلسفة الحديثة في ق17، خاصة في كتابه الشهير "مقال في المنهج" الذي عرض فيه رؤية جديدة في التفكير نقوم على النقد ومراجعة المعارف المكتسبة، وضرورة تأسيس طريقة جديدة تقوم على قواعد محددة لتوجيه العقل "الشك، تقسيم المشكلة إلى أجزاء، ترتيب الأفكار، مراجعة عامة للنتائج".

الفلسفة في المرحلة المعاصرة "ابتدأت من القرن 19 إلى يومنا هذا."
هي المرحلة التي بدأ فيها الإنسان يمل سلطة العقل، وسلبيات الحداثة، حيث ظهرت له تناقضاتها وثغراتها، فقد أصبح العقل مقدسا وطاغيا وجامدا، ومن هنا ستظهر دعوات فلسفية جديدة تفكك هذا النظام وتبين المسكوت عنه وتفضح هوامشه وخباياه. فأصبحت الفلسفة المعاصرة فلسفة نقدية تنبني من خلال الهدم والتفكيك والتكسير. فلسفة تبين لاشعور العقل الغربي وتهدم مطلقاته وأوثانه ويمثل هذه الفلسفة فلاسفة كبار من قبيل، ميشيل فوكو، دريدا، جيل دلوز...

الفلسفة الإسلامية:
    في الغالب لم يطلع المسلمون في العهد النبوي والخلافة الراشدة وطيلة القرن الأول من الهجرة على الفلسفة، إذ تزامن تطور العلوم عند العرب والمسلمين ابتداء من القرن الثاني الهجري مع ظهور بعض الاهتمام بالفلسفات الشرقية واليونانية، والعمل على ترجمتها، مما أدى إلى تشكيل حركة فلسفية قادها عدد من المفكرين المسلمين من العرب وغير العرب.
تعرُّف المسلمين على الفلسفة جعلهم ينقسمون إلى ثلاثة اتجاهات:
1-  اتجاه يؤيد تعلم الفلسفة:  ومن أصحاب هذا الاتجاه نذكر الكندي والفارابي وابن رشد، وأشهرهم  ابن رشد (1195هـ) الذي دافع عن ضرورة دراسة الفلسفة وتعلمها، لأن الشرع يدعو إلى النظر والتفكر في الموجودات لأنها تدل على وجود الصانع أي الله، وبما أن الفلسفة ليست شيئا أكثر من النظر في الموجودات للوصول إلى وجود الصانع، فإن الفلسفة إذن لا تُعارض الدين، بل تدعمه وتؤيده. "الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له". 
2- اتجاه يرفض تعلم الفلسفة: ورأى بأنها تتعارض مع الدين ولا فائدة فيها، ولو كانت خيرا لتعلمها الصحابة والتابعون. ومن أصحاب هذا الاتجاه نذكر ابن تيمية والشافعي وابن الصلاح. يقول ابن الصلاح: "من تمنطق تزندق".
3- اتجاه يتعامل مع الفلسفة بانتقائية، فأخذ منها وترك، ومن أصحاب هذا الاتجاه نذكر: "أبو حامد الغزالي"(تـــ505ه) الذي درس الفلسفة اليونانية وميز فيها بين المنطق الذي هو علم نافع لجميع الأمم، والإلهيات اليونانية المرتبطة بديانات وأساطير الإغريق التي ينبغي ردها نظرا لأنها تشوش على عقائد المسلمين. 

---------------------------------------------

الاثنين، 27 أكتوبر، 2014

وجود الغير حسب جون بول سارتر وجيل دولوز وغاتاري


1                                                         




                                                                                                                                                             وجود الغير
                                          حسب جون بول سارتر وجيل دولوز وغاتاري


 موقف جون بول سارتر:
     ان الغير حسب جون بول سارتر هو أنا أخر، وبما انه كذلك فلا يمكن للانا ان يعي ذاته ويتعرف على نفسه الا من خلاله وبالتضاد معه.
   ينطلق جون بول سارتر في تأكيد اطروحته من تلك المغايرة الأنطولوجية للغير عن باقي الأشياء والموضوعات الخارجية. فالغير هو سلسلة من المشاعر والأفكار والإرادات المستقلة عني. ان الغير اذن وفق هذا التصور هو أنا أخر. انه أنا مماثل لأناي، لكنه مختلف عني. وبقدر ما يكون الغير منفصلا عن نظام الطبيعة، وبالتالي فلا يمكن فحصه وقياسه، فان هذا لا يعني انه يعاملني كذات مستقلة، بل يسعى دائما الى نفي تجربتي أي ذاتي واعتباري موضوعا. وأنا كذلك بصفتي ذات أسعى إلى معاملته كموضوع.
  ان بنية السلب والنفي إذن أساسية في العلاقة مع الغير، فهو الأنا الذي ليس أنا. وان هذا السلب مع الغير يشكل بنية أساسية لوعي الأنا بذاته، لان الوعي لدى سارتر ليس وعيا ذاتيا فرديا كما هو لدى ديكارت وإنما هو وعي له ارتباط وثيق بالغير. فالغير له "حضور مهما حاولنا انتزاعه من شعورنا، انه يقيد تصرفاتنا ويرصد حركاتنا، انه الوسيط الذي لا غنى عنه بين أنا وبين نفسي ".
ولكي نوضح هذه العلاقة الصميمة بين الأنا والغير فان سارتر يقدم ظاهرة الخجل كظاهرة سيكولوجية تنتاب الأنا أحيانا ولا يمكن الشعور بها إلا بحضور الأخر ونظرته، وفي هذا يقول سارتر "ان الخجل في تركيبه الاول هو خجل من الذات أمام الأخر، فانا خجول من نفسي من حيث تتبدى للغير".
2.     موقف جيل دولوز وغاتاري :
    ان معالجة كل من جيل دولوز وفليكس غاتاري لإشكالية وجود الغير تنطلق من فضاء فلسفي مغاير للفلسفة الديكارتية والفلسفة الوجودية، أي بعيدا عن فلسفات الذات والوعي، فالغير في نظرهما لا يتحدد بالسلب أو المغايرة مع الأنا، بل انه عالم ممكن ومنفتح لكي نكتشفه.
     فإذا كانت الفلسفة هي فن إبداع المفاهيم، وتلك المفاهيم تأتي إزاء مشكلات للإحالة إليها، فان مفهوم الغير بحمولته الكلاسيكية يطرح عدة مشكلات منها مشكلة تعدد الذوات وعلاقاتها وتمثلاتها المتبادلة، كما انه يصعب أيضا تحديد الغير إذا كنت اعتبر الأخر موضوعا، وحينما يعتبرني هو الأخر موضوعا. فالغير لا يمكن حصره باعتباره ذات أو موضوع أو شخص. وعلى هذا الأساس كان لابد من ابداع مفهوم قبلي للغير ازاء هذه المشكلات التي يطرحها. وبالتالي فالغير هو قبل كل شيء عالم ممكن نجد تعبيرات له في وجه ولغة من يعبر عنه، فيكفي ان يقول شخص ما: أنا خائف، ويمكن ان نلاحظ علامات الخوف والذعر... حتى يعطي تحققا لعالم ممكن من الخوف والفزع الذي يعيشه الشخص داخليا. ان الغير بهذا المعنى ذو ثلاثة مكونات: عالم ممكن، وجه قائم الوجود ، لغة أو كلام واقعي.

       ان الغير إذن ليس أنا أخر. أو أنا مغاير لأناي، وإنما هو عالم ممكن ومنفتح أمامنا لاكتشافه.

وجود الغير حسب هيدغر و سارتر




محاور درس الغير:
المحور الأول: وجود الغير.
المحور الثاني: معرفة الغير.
المحور الثالث: العلاقة مع الغير.

الطرح الإشكالي:
إن مفهوم الغير عادة ما يستعمل للإشارة إلى ذلك الآخر من الناس المتميز عن الأنا (فردية كانت أو جماعية)، وتتأسس أسباب الشعور بالتمايز على عوامل مختلفة (العرق، الثقافة، السن، الجنس، التراتبيات الاجتماعية، ...)، ويمكن أن ينجم عن ذلك إما علاقات إيجابية (الصداقة، التسامح، التعاون، ...)، ويمكن على العكس أن تتولد بين الأنا والغير علاقات سلبية (الإقصاء، العنصرية، العنف، ...)، إن مثل هذه التقابلات هي التي تدفع التفكير الفلسفي أن يهتم بمفهوم الغير محاولا أن يحدد مدى تأثير أحدهما في الآخر وطبيعة كل منهما بالنظر إلى الطرف الثاني، والجدير بالذكر أن التفكير الفلسفي عادة ما يثير هذه الإشكالية، إما في إطار علاقة السلب أو المماثلة، ويمكن تحديد السلب باعتباره مفهوما يستعمل كمرادف للتميز، وأما المماثلة فتشير على العكس إلى التطابق بين الأنا والغير، كما يعتقد المفكرون أن بروز إشكالية الغير يرتبط بالفلسفة الحديثة، فهناك من يربط تلك النشأة بهيغل وذلك في إطار ما يعرف اصطلاحا ب "جدلية السيد والعبد"، وهناك من يربطها بديكارت خصوصا لما رفض الفيلسوف الاستعانة بالإرث المعرفي مما قد يؤل فلسفيا باعتباره إقصاء للغير خاصة وأن الأنا تستطيع - في اعتقاد ديكارت - أن تبني المعرفة دونما حاجة إلى الغير، إن أشباه هذه التمثلات هي التي تدفع طرح التساؤلات التالية:
*    ما هو الغير؟ وكيف يمكن أن يؤثر وجوده في الأنا؟
*    هل نستطيع أن نتمثل الغير كما هو بالنظر إلى ذاته؟
*    ما نوعية العلاقة القيمية التي يمكن أن تتأسس بين الأنا والغير؟

المحور الأول: وجود الغير:
إن إشكالية وجود الغير من القضايا التي ركزت عليها الفلسفة الوجودية، ويعتبر هيدغر  Heidegger ممن عالجوها من خلال طبيعة علاقة التفاعل التي يمكن أن تجمع الأنا بالغير، حيث يعتقد الفيلسوف أن الأنا لا تستطيع المحافظة على فردانيتها عندما تكون مع الغير، لأن الوجود – مع - الغير يقضي على كل خصوصية وتميز، ومن ثم تذوب الأنا في ذلك الوجود وترفع بذلك من سلطة الغير، هكذا يصبح التماثل في أنماط السلوك هو المهيمن، بحيث تصبح الذات مفتقدة داخل الوجود المشترك، وعلى هذا الأساس يرى هيدغر أن الأنا تسمح للضمير اللامعين من بسط هيمنته، هكذا يمكن أن نتحدث بهذه الصيغة فنقول مثلا "هناك من أراد ذلك"، كما يمكن القول "لا أحد أراد ذلك"، إن هذا الضمير يستمد سلطته من تأثير وجود الغير بحيث لم يعد وجود الإنسان يتحدد في وجوده الفردي ومن ثم "أصبح الإنسان لا أحد".

إذا كان تصور هيدغر يتأسس على المماثلة على الأقل على مستوى الشعور، والسلوكات، والمواقف التي تقود إلى نمطية في العلاقة بالغير تفرغ الأنا من كل ذاتية متفردة، فإن سارتر على العكس، يعتقد أن العلاقة الأولية بين الأنا والغير هي علاقة سلب، وبالتالي انعدام العلاقة، ومن ثم يصبح القول "أنا لست فلانا" شبيها بالحكم الأنطولوجي "الطاولة ليست كرسيا"، هكذا يتبين أن العلاقة بين الأنا والغير هي علاقة موضوع بموضوع، إن ذلك لا يعني أن محاولة الانفتاح عن الغير قد تؤدي إلى انكشاف ذاتيته، لأن كل محاولة لمعرفة الغير تحوله إلى موضوع، والعكس صحيح، وقد حاول سارتر من خلال مثال الخجل أن يرمز إلى هذه العلاقة حينما بين أن الأنا بالنظر إلى ذاتها كينونة يفترض أن تمارس ذاتيتها وتحيى كينونتها، لكن بمجرد أن ترفع بصرها فتكتشف آخر ينظر إليها حتى تتوقف تلقائيتها، وتقضي على حريتها فتحس بالخجل لأن الأنا أصبحت تنظر إلى نفسها بنظرة الأخر إليها، وذلك ما يفيد أن الغير يمثل الأنا كمعطى خارجي يكونه ضمن تجربته الخاصة (تماما كما تفعل الأنا بالغير).

إن موقف سارتر يجعلنا ندرك أن هذا الفيلسوف يؤكد ضمنيا استحالة معرفة الغير كما هو بالنظر إلى ذاته، وذلك ما يدفع إلى طرح السؤال التالي: هل معرفة الغير ممكنة؟

الأحد، 26 أكتوبر، 2014

فرويد ومدرسة التحليل النفسي

جامعة مولاي إسماعيل - مكناس
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
السداسي الأول، شعبة علم الاجتماع
مادة : مدارس علم النفس
الأستاذ والطبيب النفسي : المغاري


عرض حول
فرويد ومدرسة التحليل النفسي
إعداد وتقديم: عبد الغاني الرامي
الموسم الدراسي : 2007/2008


حينما حاول علماء النفس تحديد ميدان دراستهم ومجال أبحاثهم اختلفوا وتفرقوا شيعا ومذاهب لأن الواقع النفسي غني ومتشعب. فمن أين نبدأ ومن آي أفق نطل عليه ليتضح لنا معالمه وثوابته، إذ نجد أنفسنا أمام اتجاهات متفاوتة كل يحاول أن يفهم الواقع النفسي فهما خاصا، يقول د.فاخر عاقل في الصفحة 51 من كتابه "مدارس علم النفس" "...هذا التشعب والتنوع في الظواهر النفسية يصعب علينا اختزاله إلى ظاهرة نمو ضعها كمادة للدراسة العلمية، كما يصعب إخضاعها إلى منهج موحد لفهما وطريقة واحدة لتفسيرها، ولعل هذا ما يفسر لنا تعدد المدارس السيكولوجية واختلاف المناهج التي اصطنعتها حسب الجانب النفسي الذي اختارته كموضوع للدراسة..." ولكن ما يهما في هذا الموضوع هو مدرسة التحليل النفسي حيث نجد ان هذه المدرسة قد شقت طريقها في اتجاه مخالف لكل المدارس، حيث ارتأت ان الظاهرة النفسية التي يمكن ان نرجع إليها غيرها من الظواهر ليست الشعور أو السلوك او الصيغة المعطاة في مجال إدراكي معين بل هي الحوادث اللاشعورية من نشاط الإنسان النفساني، الشيء الذي يستعصي على المتأمل تحديده لأنه لاشعوري ولا يمكن ملاحظته ومراقبته لأنه غير ظاهر، وحتى عندما يعبر عن نفسه فان ذلك يكون بطريقة رمزية، ومن ثمة يرى فرويد كما جاء في الصفحة 48 من كتابه حياتي والتحليل النفسي "...التحليل عمل يتضمن فنا تأويليا لابد للنجاح في استخدامه من لياقة ومران..."
ليس سيغموند أول من انتبه إلى الحوادث اللاشعورية فقد سبقه إلى ذلك مفكرون آخرون مثل ليبنز وشوبنهاور  وغيرهما، بيد ان الفضل في إقامة بنيان كامل يقوم على اللاشعور ويرد كل حادث أو سلوك إلى هذا القسم الكثيف من الحياة الإنسانية يرجع بالذات إلى الطبيب النمساوي سيغموند فرويد. إذن كيف يتصور فرويد الواقع النفسي...؟
فقد بدأ فرويد حياته طبيبا يعالج الأمراض العصابية وكان الرأي السائد آنذاك ان الاضطرابات والانحرافات التي تحدث في سلوك بعض الناس وتسلمهم إلى حالات مرضية مردها إلى آفات تصيب الجهاز  الفيزيولوجي أو العصبي، وعن طريق التنويم المغناطيسي اكتشف فرويد أول الأمر أن بعض مرضاه يبوحون بأسرار ويرددون حكايات لا ترد أثناء استجوابهم في حالة الصحو، عند ذلك افترض ان هناك جملة من الدوافع والميول والرغائب تزخر بها حياتنا النفسية، بعضها يكتب له التحقيق فيروى إرواء مباشر او غير مباشر، وبعضها يصادف في طريقه حواجز وعوائق تحول بينه وبين التحقق والارتواء.
إذن أين تذهب هذه الميول والرغائب التي حيل بينها وبين التحقق...؟ هل تموت وتفنى...؟ كلا ، إنها تكبت وتنزوي في منطقة معينة من حياتنا هي ما يسميها فرويد باللاشعور وقد أقام فرويد طبقته الخاصة المعتمد على اكتشاف الوعي باعتماده على نقطتين هما اللاوعي والجنس بدراسة الأفكار التي تخطر إلى خاطر المريض خلال حصة العلاج بدون توجيه وبكل حرية، ويرى فرويد ان الحصول على الشفاء هو بالأخذ واسترجاع الذكريات المكبوتة والمؤلمة، فحسب نظريته يكون الشفاء عن طريق خروج الكبت، فان كان التنويم المغناطيسي يعتمد على الإيحاء، فإن التحليل النفسي يتوجه إلى العقدة لاقتلاعها.
إن اللاشعور، أو اللاوعي، حسب مدرسة التحليل النفسي، هو أهم منطقة سيكولوجية نستطيع بموجبها أن نفهم سلوكاتنا سواء منها السوية أو الشاذة. ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول بأن الشخصية في تصور فرويد بمثابة "جبل الجليد ": أي أن ما هو خفي أضخم بكثير مما يظهر. فكيف يتشكل اللاشعور ...؟
يعتقد فرويد أن بناء شخصيتنا يتكون من ثلاثة مكونات، العلاقة فيما بينها هي الكفيلة بتفسير حياتنا النفسية، وهذه المكونات هي :
ü     الهو "الشهوات والغرائز": وهو نسق سيكولوجي يتألف من المكونات الغريزية والدوافع والانفعالات الموروثة. ويتمركز الهو حول مبدأ اللذة أو ما يصطلح فرويد على تسميته بنزعة الليبيدو. لأن همه الأساسي هو الحصول على اللذة ودفع الألم، حيث لا يعرف معنى التأجيل. ومن خصائص الهو أنه بعيد عن المنطق والعقل لكونه يتصف بالتهور والاندفاع، ولا يتمثل السيرورات المنطقية والأخلاقية … إلخ.
ü     الأنا الأعلى "القيم والمثل الأعلى": هو بمثابة الأب الذي ينظم ويوجه سلوكات ذلك الطفل العنيد "الهو" أي هو ذلك النظام النفسي الذي يمثل جميع القيم الأخلاقية والعادات الاجتماعية. ويتشكل الأنا الأعلى بفعل الأوامر والنواهي (التربية)، ومنه نستوحي ما ينبغي وما لا ينبغي القيام به. وهو ما يماثل في حياتنا النفسية مفهوم المثالية الأخلاقية، وما يقابل في الاصطلاح الأخلاقي العادي مفهوم الضمير.
ü     الأنا: هو نظام سيكولوجي يتصف بالتعقل والرزانة والحكمة. ومن ثمة، فإنه يتمركز حول مبدأ الواقع، وهمه الأساسي هو تلبية رغبات الهو بشكل يتلاءم مع الواقع ولا يثير غضب الأنا الأعلى .

إن الأنا إذن يوجد في بؤرة الصراع بين ضغط الهو، ورغبات الواقع، ومتطلبات الأنا الأعلى . ومن هذا المنطلق نفهم لماذا تقرن الفرويدية الشخصية السوية بقوة الأنا.. فالرغبات التي لن يستطيع الأنا تلبيتها فإنه يعمل على كبحها ثم كبتها في اللاشعور هكذا يتشكل اللاشعور ويتضخم، ولكي يتشكل الأنا بصورة جيدة لابد من إحاطة الطفل بتربية واعية وتفهم واضح لمراحل النمو الجنسي لديه ( المرحلة الفمية، المرحلة الشرجية المرحلة القضيبية، مرحلة الكمون، المرحلة التناسلية )، والعمل على كبت العقدة الأوديبية بطريقة سليمة هكذا نستطيع القول بأن الأنا يوجد كذلك تحت ضغط مكبوتات اللاشعور لأنها تظل يقظة، وتتحين الفرص التي تضعف فيها رقابة الأنا لتخرج إلى السطح. والمرض النفسي (اضطرابات الشخصية) عبارة عن تدفق مكبوتات اللاشعور، وتصريف مفضوح لرغبات الهو... وحتى لاتصل الشخصية إلى هذه المرحلة الحرجة، فإنها تلجأ (للتخفيف من حدة التوتر النفسي) إلى ميكانيزمات دفاعية (مثل الكبت، والتبرير، والتقمص، والإسقاط، والنكوص، والإعلاء...الخ).

 كما أن التحليل النفسي يعتبر في حد ذاته منهجا علاجيا، وإعادة تربية ويعتمد التحليل النفسي، من أجل سبر أغوار اللاشعور، على عدة طرق، أهمها : التنويم المغناطيسي، والتداعي الحر، وتحليل وتأويل تجليات اللاشعور (الأحلام، فلتات اللسان، زلات الأقلام، النسيان ...الخ)
إن نظرية فرويد في اللاّوعي تميز بين فِعْلِيَّةِ السّلوك، وحقيقة السّلوك. ففعليّة السّلوك تعني الأفعال والأعمال الّتي يقوم بها الفرد، بما هي أفعال وأعمال خامّ وظاهرة، أمّا المُرَادُ بحقيقة السّلوك، فهو المدلول أو المعنى الحقيقيّ له، أي العلّة المتخفّية وغير الظّاهرة فيه فأنا، مثلا، قد أقوم بعمل ما، كأن أسرق كتابا من على رفّ المكتبة : وهذا الفعل فعلي، من دون شكّ، وسلوكي، إلاّ أنّ حقيقته وما قد يُفَسِّرُ مثل ذلك العمل الذي قمت به ليست فحسب تلك الظّاهرة بل شيء آخر، أحقّ وأكثر فعليّة، وهو الهُوَ"، فأنا هو الّذي، بلا شكّ قد سرق الكتاب لكن فعل السّرقة ذاك، إنّما هو في حقيقته صورة متفرّعة من فعل معاقبة الذّات. فنظريّة فرويد ترى بأنّ " الذّات ليست وعيا فقط " وإنّما هي " وعي وهُوَ " أي أنها وعيان اثنان (وعي أول ووعي آخر) ؛ الوعي الأوّل يكون غير واع بالوعي الآخر، مع انّه هو الأصل فيه !!؟
إن منهج التحليل النفسي كغيره من مناهج البحث في مختلف العلوم يعتمد على الطريقة العلمية، فهو يُعد من أهم مناهج علم النفس وأكثرها استخداماً لاسيما في مجالي علم النفس الإكلينيكي و الصحّة النفسية، فهو منهج له موضوعية علمية، وله أهميّة تكاملية في دراسة النفس البشرية بوجوه نشاطاتها وإبداعاتها كافّة، كما وله أهمّية في دراسة الآثار النفسية على الأعمال الأدبية والأساطير والفنون والشعوب وغيرها، إلي جانب أهمّيته في علاج الأعصبة، وحديثاً علاج الأمراض الجسديّة. وبدونه ما كان للتحليل النفسي أن يصل إلي ما وصل إليه من اكتشافات حاسمة في ميدان الأمراض النفسية و العقلية. ويُعد أسلوب التداعي الحر Association  Free  أحد أدواته المهمّة، إذ تُعد القاعدة الأساسية لعلم النفس التحليلي، وقد ابتدعها فرويد بالاشتراك مع صديقه الطبيب النمساوي (جوزيف بروير).


إن الافتراض الأساسي الذي يدور عليه منهج التحليل النفسي، هو أن السلوك الإنساني والظاهرة النفسية كلاهما محكومان في كثير من الأحيان بقوىً لاشعورية، ولّدتها مجموعة من الذكريات المؤلمة التي كُبتت في اللاشعور في أثناء مراحل النمو الأولى من حياة الإنسان، سواء كان موضوعها حقيقياً أم خيالياً، وهذه الذكريات المكبوتة كما يرى فرويد هي مصدر لكل العُصابات والأمراض النفسية اللاحقة، وأن عملية الكشف عنها، وعملية استجلابها إلي شعور صاحبها هي المفتاح الأساسي لفهم سلوكه وضبطه والتنبؤ به، ومنهج التحليل النفسي هو أنسب وأنجح المناهج العلمية لتحقيق ذلك، ولعلّ النتائج التي خرجت بها دراسات علم النفس الإكلينيكي خير دليل على نجاح هذا المنهج ومصداقيّته، كما أن تطابق نتائج الدراسات النفسية التي أخضعت لكلا المنهجين(منهج التحليل النفسي والمنهج التجريبي) في حالة التمكّن من ذلك، دليلٌ آخرٌ على مصداقيّة ودقّة هذا المنهج، فعلى سبيل المثال، إن سهولة استعادة الاستجابة المنطفئة على نحوٍ ما تبدو من تجارب علماء النفس التجريبيين ليست هي إلاّ تعبيراً واضحاً عن ظاهرة التثبيت Fixation  التي اكتشفها منهج التحليل النفسي

الوعي واللاوعي"فرضية اللاشعور" (جديد)

المحور الثاني: الوعي واللاوعي 
تحليل نص "فرضية اللاشعور"
لــ : سغموند فرويد




إشكالية النص
1.     ما العلاقة الرابطة بين الوعي واللاوعي أو بين الشعور واللاشعور...؟
2.     ومن منهما يحكم وجود الذات ويتحكم في الحياة النفسية للإنسان...؟
3.     وما الذي يجعل فرضية اللاشعور ضرورية ومشروعة..؟
4.     وكيف يمكن تفسير السلوكات الصادرة عنا في لحظات الأحلام.. ؟

أطروحة النص
يرى صاحب النص ان الشعور ليس سوى أضيق منطقة نفسية لا تمارس أي تأثير على الذات، فنطاقه محدود ومعطياته ناقصة وعاجزة عن فهم واستيعاب وتفسير كل أفعال الإنسان وتصرفاته. بينما اللاشعور فهو أوسع منطقة تحكم كل مظاهر الشعور، فهو أساس وعي الإنسان، بل هو المنظم والمحرك الأساسي في الحياة النفسية لهذا الإنسان، لذلك فهو أهم منطقة سيكولوجية نستطيع بموجبها أن نفهم سلوكاتنا، سواء السوية أو الشاذة منها.

مفاهيم النص
-   الشعور- الوعي : "مـجـمـوعـة الـعـمـلـيـات الـعـقـلـيـة أو الـحـالات الـنـفـسـيـة الـتـي يـعـيـهـا الـفـرد ويـسـتـطـيـع اسـتـرجـاعـهـا فـي لـحـظـة مـا". كما يمكن القول انه "إدراك الـمـرء لذاته أو لأحـوالـه وأفـعـالـه إدراكًـا مـبـاشـرًا وهـو أسـاس كـل مـعـرفـة".
-   اللاشعور – اللاوعي :  كـلـمـة نـشـيـر بـهـا إلـى مـجـمـوعـة الـحـوادث الـنـفـسـيـة الـتـي لا نـشـعـر بـهـا وتـؤثـر فـي سـلـوكـنـا، كالدوافع الغريزية، والـذكـريـات الـمـنـسـيـة، والأحـلام، والـرغـبـات الـمـكـبـوتـة. التي لم يتم إشباعها نظرا لتعارضها مع مبدأ الواقع.
-   الحلم : يعَرَّف الحلم في التحليل النفسي على أنه نشاط تفكيري يحدث استجابةً لمنبه أو دافعٍ ما، وهو عبارة عن سلسلة من الصور أو الأفكار أو الانفعالات التي تتمثل للعقل أثناء نوم صاحبه. ويعبر الإنسان من خلاله عن الكثير من الهواجس والتطلعات والأماني والرغبات المكبوتة والتخوفات.

حجاج النص
-   حجة الدحض:  يتمثل في انتقاده للتصور الفلسفي الذي بالغ في تقدير خاصية الشعور واعتبار اليقظة وعالم الحس هما الأساسيين في تفسير ظاهرة الوعي."يجب ان لا نبالغ في تقدير خاصية الشعور".
-   حجة الافتراض : حيث طرح فرضيته القائلة ان الشعور هو أساس الحياة النفسية بصيغة "من الواجب ان نفترض ان اللاشعور هو الأساس العام للحياة النفسية..."
-   حجة المثال : يتجلى من خلال نقطتين أساسيتين، أولها تركيزه على "الحلم" كمظهر من مظاهر النشاط في عالم اللاشعور. وثانيها "المخاوف الهستيرية" التي هي عبارة عن اضطرابات نفسية في شخصية الفرد.
-   حجة المقارنة:  ويتمثل ذلك في مقارنته بين مكونين أساسيين هما الشعور واللاشعور على مستوى الحياة النفسية الإنسانية، مبينا ان المنطقة الأساسية تتمثل في اللاشعور.

تركيب نهائي للنص
       يرى فرويد أن اللاشعور هو الأساس الحقيقي للحياة النفسية ويدعو في هذا الصدد إلى عدم المبالغة في تقدير أهمية الشعور لأن نطاقه محدود ولكونه عاجز عن فهم وتفسير كل أفعال الإنسان وتصرفاته .
       وبتأكيد فرويد على أن المحدد الرئيس للحياة النفسية هو اللاشعور فإنه بذلك يكون قد خلق رجة قوية في المناهج الفلسفية القديمة، وبالفعل فقد قـدمـت فرضية اللاشعور أفـكـارا وتـوضـيـحـات نـجـحـت فـي تـفـسـيـر الـكـثـيـر مـن أنـواع الـسـلـوك الإنـسـانـي، وسـاهـمـت فـي عـلاج الـكـثـيـر مـن الأمـراض الـنـفـسـيـة الـمـسـتـعـصـيـة عـلـى الـطـب الـعـادي.
       لـكـن وبالرغم من أهمية فرضية اللاشعور وقيمتها، فإن طـَرحٌ أصـحـابـهـا بـأنـهـا نـظـريـة فـلـسـفـيـة شـامـلـة قـادرة عـلـى تـفـسـيـر جـمـيـع مـظـاهـر الـثـقـافـة الإنـسـانـيـة طـرح فـيـه تـجـاوزات كـبـيـرة، خـصـوصـا وأنـهـا تـنـظـر لـلإنـسـان كـحـزمـة مـن الـغـرائـز، وتـعـمـل عـلـى تـفـسـيـر كـل شيء بـالـغـرائـز بـمـا فـي ذلـك الـدَّيـن والأخـلاق. متناسية في ذلك دوافع أخرى (سياسية، دينية، ثقافية...) ترتط باللاوعي.


موقف ألان
إذا كان فرويد يؤكد على دور اللاوعي الأساسي في توجيه سلوكات وأفكار الذات الإنسانية والتحكم فيها، فإننا نجد الفيلسوف الفرنسي المعاصر ألان (إميل شارتيي) يرفض أطروحة فريد هذه، لأن القول باللاشعور تنجم عنه مخاطر أخلاقية، إذ أن الأحكام الأخلاقية تتطلب إرجاعها إلى أنا واع ومسؤول، لذلك يقول ألان أن اكبر أخطاء مفهوم اللاشعور الفرويدي هواعتباره (اللاشعور) بمثابة "أنا آخر" يتحكم في أفكارنا، غير أنه حسب ألان فإن الفكر الإنساني هو فكر إرادي، وبأن اللاشعور/اللامفكر فيه هو مجرد ميكانيزم أو جسد خاضع لإرادة الأنا ومسؤوليته.كما ينبهنا إلى خطأ رئيسي آخر في مفهوم اللاشعور، وهو كون الإقرار بتحكمه فينا ومعرفتنا القليلة والغامضة به يجعلنا نهاب لاشعورنا.

ولذلك يؤكد ألان، عكس ما يذهب إليه فرويد في أطروحته حول فرضية اللاشعور، على أن أفكارنا وسلوكاتنا هي نتاج لوعي الأنا، وهو الذي يتحكم فيها.

Your Social Investment Network